تململ في حضن جدته التي كانت تتنفس بسرعة كأن عاصفة حُبست في أعماقها و انطلقت
تسرد حكاية و هي تتماوج بين الحزن و السرور.
"كانت النساء
تتبادلن أحاديث المساء و هن سابحات في أحلام عميقة عندما بدأ ذلك الظل يزحف بطيئاً
نحو القرية. فبدأت مثل انسان ضخم يسحب غطاء نحو جسده. توارت الشمس خلف غيوم داكنة
و الاشجار تتمايل بفعل رياح خفيفة ملوحة لمهرجان الرقص المفاجئ...
بدأت النسوة نصف العاريات
في التحرك مثل سرب النحل، يشرعن في نقل ما نشرته الريح من التبن و الأدوات إلى الداخل.
كن يتصايحن تنبه كُل واحدة الأخرى أو تمازحها. وأخريات مهرولات وعلى رؤوسهن قدور الماء
والصغيرات كان الماء ينحدر على صدورهن النابتة فيضفي لوناً زيتيا مصقولا على بشرتهن
السمراء.
زمجرت السماء كأن هناك
كائن يختبئ خلف الأفق مصدراً تلك الأصوات. مع بداية الرذاذ اتجه غالبية الأطفال نحو
بيوتهم ذات الجدر المتهالكة رافعين عقيرتهم بأنشودة المطر دائرين حول أنفسهم ساقطين
على الأرض في براءة تطغى على كل شيء حتى على عريهم. و انهمكت الخرفان في التقاط الأوراق
المتساقطة من شجرة البطوم و كأنها عازمة على التقاط آخر نصيب لها. كبر حجم القطرات
الباردة التي كانت تتفجر عندما تلامس الأجسام و الرياح تعصف بكل شيء أيضاً هناك المزيد
لتلويه. وذلك الكائن خلف السحب يصدر أصوات مكتومة مصاحبة لبريق قوي.
هرولت حليمة إلى الداخل
حاملة بعض الأخشاب الجافة وقد بللها المطر حتى التصق ثوبها بجسدها النحيف رغم
حملها البارز. فجأة دوّى انفجار هائل و تلاه برق طويل يخطف البصر كأن هناك من امسك
بتلابيب السماء ومزقها إلى شطرين. تلجمت القرية وهي تستمع إلى ذلك الطنين الذي ينزلق
في دهاليز آذانهم و الكل على يقين تام بان هذه الصاعقة قد وصلت الأرض لا محالة.
استيقظت القرية من رعب
الدويّ على ولولة بعض النسوة اللائي انشدّت أبصارهن نحو شجرة البطوم التي انشقت من
المنتصف تماماً: نصف مرمي يتصاعد منه دخان يتراقص في خبث والنصف الآخر ينزف دماً أخضراً
كأن هناك فأس هوى من السماء ليرسم ذلك الذهول المخيف... ذهول الحياة عندما تنتزع فجأة...
صرخت احداهن منبهةً القوم على أن هناك خروفين تعرضا لضربة الصاعقة... تبعثر الجمع للبحث
عن الجثتين لابد أن الصاعقة قد القتهما بعيداً.
التفوا حولهما ينظرون في رعب إلى ذلك الشريط الأسود الذي يمتد فوق جلديهما.
شريطاً يوضح ذلك الاحتراق المفاجئ كأنهما انشطرا وتم لحامهما مرة أخرى. و أوراق متفحّمة
التصقت على فكيهما الصغيرين".
كانت الحكاية تتوغل عميقا ونبرات الصوت تنخفض مع نزول
الشمس لآخر خيط ضوء هامس اختلط بأنفاسٍ حامية. أصرّت عليه أن يشرب وجع ذاكرتها ليمتلئ
بالحب فشرب وفي باله الحقيقة. فذاكرة جدته عميقة الشجو تذيب الصخور التي يدفعها
الواقع المرّ أمامه. لذلك ارتوى منها بالمكان ولم يبخل في توزيع الرقص.
استرسلت جدته تحكي و هي تتفرّغ من نوافذ الحنين:
"اشتد عصف الريح حتى صارت تقذف أكوام
التبن و الاعشاب و الحطب في كل اتجاه و تطيرها مثل كرات الصوف. تحلقنا في زاوية من
الغرفة المتجمدة و الفانوس المتدلي على الحائط بهت ضوءه حتى صار يلقي حولنا ضلالا شاحبة.
و انخرط هطول المطر مع عويل الريح ليشكل موسيقى محزنة و مؤلمة تنساب حتى استولى
على وجوهنا مزيج من المشاعر المتعاكسة و وهنت قوى خياراتنا في ما نعمل و تعب كل
شيء حتى ألسنة النار التي تكدسنا حولها.
أوغل الليل في الوحشة و اختفى كل شيء وراء
حجاب قاتم. تنهد سقف البيت و انهال يقطر على رؤوسنا. و اشتدت أصداء العاصفة و توغل
شبح الصقيع و الغرق.
لقد كانت قريتنا الصغيرة تقبع محاطة بين
السماء و سكون الجبل. منتصبة كمنارات تجاه امتداد حقول الزيتون و اللوز. تبدو
صامتة حتى حين تتكلم . تعلمت احتمال العزلة و نشأ فيها الشموخ و الانفة و تصلبت
بيوتها من غضب العواصف .
كنا
نحرق الحطب قربانا لسلطان البرد في صخب من صمتنا أنا وحليمة والغناء الذي يطلقه إبراهيم.
كان يتخلل الأغنية بعض الغزل فيضرب أرجله بالأرض ملوحاً بنظراته في الفضاء كأنه يقاتل
عدواً لا يراه أحد سواه. ثم تنشدُّ عينيه إلى
حليمة مغرية أياه فيبسط يديه نحوها مثل
الطائر و ينهال دفء الأغنية مثل الثمار الرطبة التي تتساقط بفعل الرياح. ثم يفقد توازنه
فيسقط منكباً على الأرض في ضجة من ضحكنا ويزداد الضحك كلما حاول النهوض فيجد نفسه مشدوداً
نحو الأرض و نحن و الموقد ندور حوله في سرعة كأننا في سباق. بعد أم ينهض يعود إلى الغناء
مرة أخرى. و فجأة تعالت أصوات نباح حراس الليل تخترق صهيل العاصفة. فهب إبراهيم
إلى الخارج يتطلع الامر و خرجت وراءه ماسكة بطرف عصى يشتعل رأسها. و بقينا نتنصت
حتى بان إلى مسامعنا صوت متقطع و كأنه نداء استغاثة . و عاد الصوت يدوي أكثر و هو
ينادي :
"إبراهيم... إبراهيم".
فأجاب إبراهيم :
"تقدم يا سعيد".
و التقط المشعل من يدي و سار إلى الباحة
أمام البيت يلوح بها لسعيد حتى يتقدم محاذرا برك الماء و الاشياء التي تكورها
الريح.
عدت إلى الداخل أطعم النار ما تبقى من الخشب
و وقفت حليمة تحضر شيئا ليجلس عليه الوافد. دخل إبراهيم و خلفه سعيد ينزع برنسه
الذي يسيل مثل السماء فبانت فوهة بندقية تطل من خلف رأسه المستدير. اندفع إلى
الموقد يصطلي و قد تجعّدت أساريره و تقطب حاجباه لشعوره بوهن جثته من البلل و
الصقيع. احتضن الموقد و هو يرتعش و أسنانه تصطك.
جلبت حليمة بطانية صوفية و ألقتها على كتفيه. بدت ملامحه تحس الدفء رغم أن رجفة البردِ المُتراقِصة
بين ضلوعه لم تتوقف. حوّل نظره بيننا و كأنه يتفرّسنا و قال:
- لو يستمر المطر حتى الصباح سيغرق الوادي.
قلت بصوت متنهد :
- بالخير يا ابني.
ردد الجميع بصوت أقرب إلى الدعاء :
"إنشاء الله".
و قمت ألتقط ما تبقى من عشاءنا و قدمته له فتلقفه
من يدي و أخذ يمضغه بشراهة .
تنهد إبراهيم بعمق وهو يمسح لحيته التي نمت عليه
دونما ترتيب و يعدل وضع جلسته كأنما يفرّق غيوم الاستغراب المتجمع فوق رأسه و قال
:
- ما الذي خرج بك وسط العاصفة يا سعيد؟
رفع بصره إلى السقف الذي يقطر و قال :
- بلغنا أن الجندرمة سيهاجمون الجبل و القرى
قريبا . اتفقنا أن نجتمع في الصباح و لكن رأينا أن هذه العاصفة قد تعجل بالهجوم
الغادر لذلك قررنا أن نجمع الرجال و نصعد إلى الجبل.
تبدّلت ملامح إبراهيم و قال :
- خير ما رأيتم فجنونهم قد يدفعهم إلى أي
شيء.
و ساد السكوت على المتخاطبين و أغمض إبراهيم
عينيه مستغرقا في التفكير. نظرت إليه فلاح لي ذلك الرجل العظيم و ملامحه لا تكف عن
خشونتها و صدره العريض لا يكف عن الامتداد . في نفسه حزن رغم قناع السكون الذي
ارتداه. ما أجمل يده و هي تمتد لتضم يدي و تسبّح لأعلى مراتب الحب . كان في تفكيره
كثير من الابهام . و لكن آذاني تحسنان سماع خطاب قلبه الذي ينساب يغني: يا وردتي المندهشة
، لا تنظري لي فاغرة لونك ، بل انزعيه عند باب أنفي ، وصلي فيه صلاة النسيم ، ثم اتركيني
أكسيه للأشجار لتؤدي تمثيلها اليومي".
و ينساب جسده يتمايل في
السقفِ هادئاً و مبتسماً ومتأرجِحاً. يقِف في زحمة الخوف و قلْبهُ رافساً و
مهروِلاً... يكاد صدْرهُ يهشِّم العظم والهيكل. ينكمِشَ وجههُ الصارمَ و يحرِّك جسده
ريشهُ و جناحيهِ مثل الحمامة ببطء. و تتحرَّك عيناه المبتسمتان و المذعورتان و
الهادئتان و المحدِقتان لكل جهة حتى تقعان على حليمة فيرتعش ريش جسده و يرتفِع و
ينخفض و يستوي في السقف و عيناه معلقتان على بطن حليمة فهناك ثمةَ جندي متكوّر رافع
يديه لأعلى. يمسك بيدها و قلبه يهمس: الحب ليس أن نتشابك بأيدينا ،
ونرقص على ضوء القمر حيث تختلط ضحكاتنا بمهمهمات السكارى . هل شاهدت القمر ممسكاً
بأيادي النجم راقصاً على ضوئنا ؟ أجمل الحب هو الخالد منه الذي لن يقدر أن يُطفئه
حتى الموت. لذلك ، يا حبيبتي ، اتركيني امضي إلى الحرب رغم أن اخطر ما أمسكته سيجارة
مشتعلة اطفأتها على ظهر الأرض و لم تكن بنية التعذيب .اتركيني اذهب ، لا لأهجرك ، ولا
لأني مللتك ، أو شكت عيناي ضوء القمر ، بل لأحقق حلمي بألا يذكرني التاريخ ، لا انتحار
على الصحف يضحك الشامتين ، ولا شعر اكتبه فيك اتسول به دهشات القراء... اتركيني امضي
لأموت مع الجنود والرصاص والأحصنة... اتناثر في الجو مع طبول الحرب... ثم اهرب من صيد
آذان الأطفال ، قبل أن يصيبهم الفزع. و حين يأتونك بجثتي لا تبكي عليها ربما أكون لم
أمت بعد... لكن ابكي على ذكراي لتنمو الورود المندهشة في مهبط دموعك متشحة بالملح...
اشعلي الموسيقى على قبري كي تنعم الديدان بالدفء
، وتلتهم ما تبقى من جسدي المتعفن ، دون أن تغمض عينيها أو تطلب فاكهة الليمون...
فتحت حليمة عينيها و ألقت أنظارها الفائضة
شوقا و حنانا إليه و قد أصابها الوهن من حملها و سرى في وجهها الذبول.
ثم قطع السكون و هو يسأل "سعيد" :
- هل علم كل الرجال ؟
فأجابه :
- لقد تفرق رجال قريتي كل في اتجاه أحدى
القرى ليعلم الرجال و أظن أن الكل يعلم الآن.
وقف إبراهيم فبانت هامته الشامخة و أنظاره موجهة إلى حليمة و لاح عليه الاحمرار و التحف برنسه و قال :
وقف إبراهيم فبانت هامته الشامخة و أنظاره موجهة إلى حليمة و لاح عليه الاحمرار و التحف برنسه و قال :
- سأذهب لأخبر رجال القرية .
و خرج و لم يغب طويلا . تقدم من زاوية الغرفة و حمل بندقيته ثم رجع
ليجلس إلى الموقد . لقد كانت نظراته و امتداد يده نحو حليمة خالية من الحياء. و
كانت أفكاره التي تمر أمامه غريبة تلفح الغرفة بالصقيع .
تعالت أصوات الرجال من الخارج تناديهما .
فوقف إبراهيم و سعيد يسويان ملابسهما الثقيلة ودّعنا سعيد و خرج . وقف إبراهيم عند
الباب و استدار نحوي و أخذ يدي فضمها إليه و انحنى على حليمة الواقفة خلفي في ذهول
و احتضنها و وضع راحة يده على رأسها و همس في أذنيها و قبلها. ثم اندفع خارجا.
لحقت خلفه و ودعتهم جميعا و عدت إلى الداخل احتضن حليمة و بكيت حين رأيت انغماس
وجهها في الدموع ".
أفاق من طقس العبادة حين أحس بالبلل . فوجد نفسه نائما على رصيف الشارع و
فمه المفتوح يسيل. و أدرك أنه يحتاج إلى احتساء فنجان قهوة و إلا فإن ساقاه
المتقوستان لن تقويا على حمل دماغه المتورم. و أرسل عينيه تبحث عن مقهى فانتبه إلى
الرجل الواقف إلى جانبه و هو يعوي و بصاقه يتناثر من أشداقه و يداه تحاولان شدّ
أصنام تدور حوله و هو لا يفتأ يقدم لها قرابين الطاعة و لكنها لا تنزل إلى الأرض
فيبقى يتأوه و يبث رغبته المتفجرة و أمنياته المتداخلة في الاركان و يدور حولها
كما يدور حولها الانسان القديم.
تراخى خياله و تفكك مكررا محاولاته للاستسلام لما تقدمه البيانات من أحمال
بخيالات الأزمان الغابرة . و سكنه جنون مخيف من الجوع و الاثارة باحثا عمّا يستحق
العيش. و دائما ما يصطدم بإيحاءات تماهي أحلامه في حقيقتها و غيابها . أحس برغبة
في أن يمتلك إحساسا واحدا يكفي حزنه أن يمتلك غاية محددة تدفعه ليتعايش مع إخوته
في الأرض . لقد استولت عليه الدهشة فكل شيء رديء على نحو اعتاده قبل أن يصبح عدم
الرضاء جوهره و الابتعاد و الحذر خياره. ولكنه عرف الآن أن سعادة العيش قد تقوم
على أبسط أمر مهمل. فاختار أن يحيى و لا يموت.
مشى بين الحشود المتوترة يمضغ ذكرياته و قد لاح منهكا و متوتر الاعصاب حتى
بلغ المقهى ، كان مملوءا على آخره و أصبح داكنا تماما من الدخان المتصاعد. حول نظره
في كل مكان ثم اقترب من طاولة جلس إليها مجموعة و استأذن منهم أن يجلس معهم
فأجابوه بكل سرور. جاءه النادل بفنجان قهوة فألقى فيه قطعة من السكر و أخذ يحركها.
لا يزال يحس بإنهاكه فبدا مكفهر الوجه و عابسا بجديته. حول نظره إلى الجالسين حوله
بفضول شديد و كأنه ينظر إلى شيء نادر. و استمع إليهم يتناقشون بحدة. كانت الشراسة
ترسم ملامح وجوههم و الكبرياء يبني أجسادهم و الغضب المبدع يصور بتنسيق كلماتهم
التي تحدث ضجة قوية. شعر بنفسه مغفلا و خبيثا و هو يراقب حركاتهم.
انتبه إلى نظراته الفضولية أحدهم فخلت عن ملامحه الحدة و سأله :
-
لماذا أنت صامت ؟ ألا تشاركنا الحديث حول ما
نختار ؟
انكمشت ملامحه و نقرت أصابعه على الطاولة محاولة ستر اضطرابه و قال :
-
إن ما احتشد فيّ
اليوم من الابهام و التشويش ينفّر نفسي عن كل اختيار.
انتبهت الفتاة الجالسة أمامه و ابتسمت و هي تقول :
-
و لكن أساس
البناء اختيار.
فرد و الارتباك يعلو ملامحه أكثر :
-
قد يكون.
ارتسمت ملامح الانتباه على المجموعة و كأنها تطلب منه ألّا يتوقف فواصل
يقول :
-
إننا إذا نقنع
أنفسنا بالاختيار فأشيروا أين نختار ؟ كل البيانات عاجزة عن ادراك ذاتها. يلونونها
حتى يبرروا زيغها فتنساب مبهمة تسمم الآذان
بالادعاءات و الدغدغات فتوقع بالراكعين و بالتابعين و بقصار النظر و حتى
بذوي النفوس الابية المتعبين و الضجرين من الحياة.
أشيروا أين نختار ؟ هل ثمة شيء في كل هذا
التشويش و التذبذب يثبت تعليلا لاختيارنا ؟
أشيروا أين نختار ؟ و كل الخيارات مومياءات.
و هل نقدر على منع تحلل المومياء المحنطة حين اصطدامها بهواء الواقع ؟
راحت الفتاة تحدق مبرزة محياها الودود , ثم ما لبثت أن قطبت قليلا و هزت
رأسها فتلألأت عيناها و قالت :
-
و لكن ليست كل
البيانات مخادعة.
و في هذا الجو الجديد نشط الجميع حتى الجالسين خلفه للاستماع. فأصبح حسن
أكثر حيوية لقد وجد مخرجا لطاقاته المكبوتة و بدت في عينيه متعة عظيمة كشيء خيالي
و ثمين للغاية. و أخذت تتدفق إلى حلقه كلمات لا نهاية لها و قال :
-
إن اختلافها ليس
إلا في دغدغاتها فلكل بيان فريسته فتراه يطلق حقيقته التي يمجدها و يجردها حتى
تصير خالدة فلا تنبعث منها غير السموم و الغازات الخانقة و رائحة الموت لتنهش
بمخالبها و أسنانها الحديدية جلود الحشود كاذبة في كل تعبيره. و كلها تشترك في
كونها تمارس طقوس الهرب من مرارة الواقع.
رد أحدهم و لم يكن يبدو عليه أنه ينتبه و قال :
-
و لكن على الشعب
أن يختار بينها.
فهز كتفيه و وجه ناظريه نحوه و هو يقول :
-
الشعب نوعان :
نوع راكع و قصير النظر و مجهض الملكات و في غالبه يقوم على الخلط بين ما يتقدم و
ما يتأخر و يركع لأول زائر يصطدم به فليس له القدرة على الاختيار. و نوع آخر أصيل
و خارج عن الطاعة يواجه الحياة الموجعة و المرّة بقوة ناشدا حياة أفضل. و لا تراه يكفّ
عن الابداع رافضا كل تقديس.
كان يهم بالمتابعة و لكن باغته نفس الرجل و هو يسأل :
-
و أين إرادة
الشعب ؟
أومأ برأسه و عاود النظر إليه فرأى خياله ضعيفا و ليس أذكى من عود حطب و
قال :
-
الإرادة لا تفعل
، إنها مجرد كلمة و الحرية لا تعطى و إنما يتمّ انتزاعها.
انتبهت الفتاة إلى اضطرابه و انفعاله و سألته :
-
الشعب يريد
الحرية و التخلص من كل قيد . فكيف يفعل بلا إرادة ؟
جاء صوته ينبه نفسه فتطلع إليها و قال :
-
إن كل بيان تصور
نقسه صراطا مستقيما لا يفتح أي مجال لأن يحيد تابعه عنه.
و المبدعون يخوضون صراعاتهم و يحولون
انفعالاتهم من الواقع المر إلى عمل متمرّد. هم لا يريدون بل يعملون ليحصلوا على ما
يريدون.
و لكن تأتي البيانات لتهدم الكيانات و تفصل
الروح عن الجسد ثم تحاول استحضار الارواح برمادها للمومياءات التي يعبدونها.
فتنساب مسمومة لا تستلهم إلا قصيري النظر و تحارب المبدعين بغباء ساعية لبتر
أوصالهم.
كانت المجموعة تزداد انفعالا كلما استرسل في الكلام و كانت عيونهم مثبتة
على وجهه. و لما سكت تكلم أحدهم و قال :
-
هذا صحيح و لهذا
نستطيع أن نميز بينها و نعرف من هو الاقرب لغاية الشعب في النهاية.
أغمض عينيه و طوى ذراعيه إلى صدره و قال :
-
لقد هدمت كل
البيانات غاياتها و اضمحلت جميعا باضمحلال ظروفها الاصلية و أصبحت موغلة في
التجريد و الاختزال حتى أضحت لا غاية فيها غير مجموعات من العناوين الغنائية و
الشعارات الباكية على الاطلال.
و انطلق صوت يرتجف قليلا مع شيء من الانفعال و هو يقول :
-
كله صراع على
الاخضاع ، صراع عدائي وهمي في حضرة الشعب المتهم بالغباء و عطالة التفكير.
أطربته الكلمات التي جاءت مرتجفة و انتظر أن يأتي ردّ عليها من أحد آخر.
فسكت الجميع حينها أرسل تنهيدة و قال :
-
صحيح تماما... و
هو صراع عبثي واهم و لن ينتهي لأن كل بيان يُدرك أن ضرورة استمرار وجوده في
استمرار وجود الخصوم. فالبيان الطاغي لن يضعف خصومه كثيرا لأنه بحاجة إلى الاعداء
حتى يلقى من يعزو إليهم أخطاءه ومراءاته.
ابتسم صاحب الصوت المرتجف و قال :
-
لا يمكن أن نرضى
بكل ما يقوله الآخرون ، يجب أن نفكر في الأمور بأنفسنا و نتوصل إلى الحل بجهدنا فتكون
حلولنا واقعية لمعالجة الواقع...
أحس الجميع بلذة داعبت عقولهم. و لكن الوقت كان قد تأخر ، فاتفقوا على لقاء
جديد و ودعوه و خرجوا.
لمح الفتاة و قد بدت كأنها تستيقظ من حلم , فقد تبدلت ملامحها و أخذت
شفتاها ترتعشان و لا تتكلم و نظرت إليه برقة و قد لمعت عيناها و ودعته و جرت
لتلتحق بأصدقائها. أدار حسن رأسه فرآها تختفي عبر المدخل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق