الخميس، 28 مارس 2013

كومونة باريس


على خلاف ما يؤمن به الشيوعيون السلطويون بأن الثورة الاجتماعية يجب أن تصدر إما عن ديكتاتورية (ديكتاتورية البروليتاريا) أو عن جمعية تأسيسية تنشأ حين تحول وجهة احتجاجات اجتماعية إلى ثورة سياسية أو عن معجزة برلمانية من خلالها يتم تنظيم الثورة الاجتماعية. اللاسلطويون يؤمنون بأن الثورة لا يمكن صنعها و لا يمكن الارتقاء بها إلى تطورها الكامل إلا بالعمل العفوي المستمر للجماهير.
كلاهما يرغب في خلق نظام اجتماعي جديد يقوم على اساس التنظيم الجماعي للعمل المفروض لا محالة على كل منهما وعلى الجميع بواسطة القوة الطبيعية للأحداث وفي ظل شروط مساوية على الجميع و على اساس الملكية الجماعية لأدوات الانتاج. فحيث يقف اللاسلطويون من اجل الحرية كشرط اولي للبشرية مؤمنين ان التنظيم التلقائي الحر و جمعيات المنتجين تؤسس للمساواة ، يدعم الشيوعيون السلطويون سلطة الدولة المطلقة. و حيث ان الشيوعيون السلطويون يتخيلون انهم يستطيعون بلوغ هدفهم بواسطة تنمية وتنظيم القوة السياسية للطبقات العاملة و اساسا بروليتاريا المدن بمعاونة الراديكالية البرجوازية ، يؤمن اللاسلطويون بأنهم يستطيعون النجاح فقط من خلال تنمية وتنظيم القوة الاجتماعية الغير سياسية او المعادية للسياسة للطبقات العاملة في المدينة والريف. هذا الانشقاق يؤدي الى اختلاف في التكتيكات. ففي حين يعتقد الشيوعيون السلطويون انه من الضروري تنظيم قوى العمال من اجل الاستيلاء على السلطة السياسية للدولة و يدافعون بشراسة عن مبدء ممارسة السلطة و يودون فرض العلم بالقوة ، يرى اللاسلطويون أن التنظيم في جماعات ضروري بهدف تدمير الدولة و تدمير كل شكل من أشكال السلطة متمسكين  بأن هناك قدرا عظيما من الحس السليم والحكمة العملية في الطموحات الفطرية والاحتياجات الحقيقية للجماهير اكثر منها في العبقرية العميقة لكل الدكاترة ومرشدي الانسانية الذين بعد كل هذه الخيبات العديدة ما زالوا متمسكين بمحاولة ارغام الانسان على ان يكون سعيدا.  و يضع اللاسلطويون كل  ايمانهم في الحرية و يمارسون نضالهم الدعائي في محاولة لنشر الوعي حول فلسفة الثورة حتى يصبح التنظم والتشكل في مجالس و اتحادات و كمونات و فدراليات و تنسيقيات بشكل تلقائي وحر من اسفل الى اعلى وبرضا الجماهير الخاص و الصادق مع مصالحهم الخاصة غير متبعين لخطة موضوعة سلفا مفروضة بدعوى أن مجموعة من المفكرين تبرمج لجموع  الجاهلين.  
ان البشرية قد خضعت طويلا لفكرة ان تكون تحت سيطرة حكومة وان سبب مشاكلها لا يكمن في اي شكل خاص من اشكال الحكومات ولكن مشاكل البشرية تكمن في المبادئ الجوهرية للحكومات وفي وجود الحكومات ذاتها مهما كان الشكل الذي تتخذه هذه الحكومات.
و في خضم هذا التناقض المعروف جيدا بين الشيوعية السلطوية التي تطورت علميا بواسطة المدرسة الالمانية حتى لاقت صدى منذ أواخر القرن التاسع عشر و تطورت حتى صارت إيديولوجيا تعتنقها عدة أحزاب اعتلت سدة الحكم في روسيا و الصين و كوبا و كوريا الشمالية و غيرها و أنتجت دولا توليتارية بوليسية قمعية. و بين البرودونية التي تطورت بشكل عظيم و وصلت في مسيرتها الى استنتاج نهائي بواسطة بروليتاريا البلاد اللاتينية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر و ما بعده. أما الاشتراكية الثورية اللاسلطوية فقد ضربت ضربتها الاولى واستعرضت نفسها عمليا في كومونة باريس التي رغم كل سفك الدماء الذي عانت منه على ايدي الرجعية الملكية والكهنوتية فقد  ظلت أكثر ديمومة وأكثر قوة في قلوب وعقول البروليتاريا في العالم بسبب جسارتها. حيث تشكلت كومونة باريس بوضوح بوصفها نفيا للدولة. وإنه لأمر ذو مغزى بشكل هائل ان هذا التمرد في وجه الدولة قد وقعت احداثه في فرنسا التي اصبحت وقتها ارض المركزية السياسية بلا منازع. ولأنها بكل دقة كانت هي باريس زعيمة منبع الحضارة الفرنسية العظيمة التي قامت بمبادرة الكومونة. باريس التي أسقطت تاجها جانبا و أعلنت هزيمتها الخاصة بشجاعة من اجل ان تعطي الحياة والحرية لفرنسا و للعالم بأكمله. باريس التي اعادت تأكيد سلطة زعامتها التاريخية لتظهر لكل الشعوب المستعبَدَة الطريق الوحيد للتحرر والسلامة. باريس التي انزلت ضربة ماحقة بالتقاليد السياسية للراديكالية البرجوازية و أعطت حجر أساس حقيقي للمؤمنين بالتسيير الذاتي ضد رجعيي فرنسا و العالم بأسره. باريس التي تكفنت في خرائبها لتمنح كذبة مهابة للرجعية المنتصرة منقذة عبر كارثتها نفسها شرف ومستقبل فرنسا ومبرهنة للبشرية على انه لو كانت الحياة و الالمعية والقوة الاخلاقية قد ارتحلت عن الطبقات العليا فإن هذه القيم كلها قد احتفظت بقوتها وما يوعدون في البروليتاريا. باريس التي افتتحت الحقبة الجديدة للتحرر الاكيد والكامل للجماهير ولتضامنهم الحقيقي عبر حدود الدول. باريس التي دمرت النزعة القومية و اقامت دين الانسانية على حطام الروح القومية. باريس التي اعلنت نفسها انسانية وملحدة واستبدلت الاوهام المقدسة بالحقائق العظمى للحياة الاجتماعية و الايمان بالعلم و استبدلت الاكاذيب وأشكال انعدام المساواة في الاخلاقيات القديمة بمبادئ الحرية والعدل والمساواة و الاخاء تلك الاسس الخالدة لكل الاخلاقيات الانسانية.
كومونة باريس هي الانسانية نفسها المصلوبة بأيدي الرجعية الدولية الموحدة في اوروبا في ظل الإلهام المباشر من كل الكنائس المسيحية وذلك البابا الحبر الاعظم للشر. ولكن الثورة الاممية الآتية المعبرة عن تضامن الشعوب سوف تكون البعث لباريس. هذا هو المعنى الحقيقي وتلك هي النتائج الهائلة للشهرين الذين احاطا بحياة وموت كومونة باريس الخالدة في ذكرانا للأبد.
كان يوم 18 مارس 1871 ، يوما عظيما حيث تفجرت ثورة اجتماعية لا بديل لها في التاريخ.  و لكن لنبدأ من البداية ، فالحكومة البرلمانية التي قمعت ثورة 1848 تولدت عنها الإمبراطورية الثانية تحت حكم نابليون الثالث و التي كانت مهامها الوحيدة هي أن تشكل القوة الضاربة للدكتاتورية البرجوازية. و في أواخر سنة 1870 انهزم نابليون الثالث أمام الجيش البروسي وأخذت الجمهورية البرجوازية بزمام الأمر التي رغم خشيتها من العمال أكثر من الجيش البروسي إلا أنها طالبتهم بإنقاذ البلاد . و في غضون أشهر هربت الحكومة إلى قصر فرساي و في تلك الأثناء كان الثوري أوغوست بلانكي على رأس قوة عسكرية سرية يحضر منذ زمن للانتفاضة. و لولا وقوف و دعم الجماهير لما أمكن لمشروع انتفاضة هذه المجموعة المتآمرة من الطليعة أن تنجح.  حيث أن الثورة انبعثت من الدفعة الثورية التي وصلت ذروتها إلى حدها الأقصى وليس العكس.
في 18 مارس أمر رئيس الحكومة الرجعية ثييرس الجيش بحمل المدافع والرشاشات من باريس إلى فرساي. يومها تفجرت ثورة اجتماعية عظيمة لا بديل لها. و ككل ثورة جماهيرية لابد أن تكون فئة معينة مبادرة و قد كان حظ النساء عظيما في هذه الثورة حيث أن موزعات الحليب قد أدركن في الفجر خطة الحكومة الخائنة فحاصرن الجنود مانعات إياهم من تنفيذ الأوامر و لم يتراجعن رغم أنهن بقين لوقت ليس بالقصير لوحدهن دون دعم و تتالت المساهمات الجماهيرية حتى خرج الباريسيون كلهم إلى الشوارع و افتكوا الأسلحة من الجنود و لم يفلت من قبضتهم إلا عدد قليل من جواسيس الحكومة و الذين لم يحملوا خارج المدينة غير روايات ضعيفة عمّا حدث بالفعل. و بهذا العمل الدفاعي الذاتي أخذت جماهير باريس بزمام الأمر. و في البداية كان من اللازم أن يحمل الشعب السلاح ثم بدأ بضرب مؤسسات الجيش والشرطة والبيروقراطيين. وبذلك ظهر لأول مرة في التاريخ أول شكل مجتمع للعمال :كمونة باريس.
كان أغلب أعضاء الكمونة من أنصار بلانكي و برودون و اليعاقبة و لم يكن الاشتراكيون إلا أقلية. و قد ألزم تنظيم المجتمع الجديد أنصار بلانكي أن يتناسوا أوهام ومشاريع الانتفاضة وأن يسبحوا مع تيار الثورة الشعبية. كما كان على أنصار برودون أن يتراجعوا عمّا كانوا يدعون إليه حيث حذفت الثورة كل مجال لمبدإ الإقصاء السياسي. و أما اليعاقبة فقد كان لابد عليهم أن يتخلوا عن أفكارهم حول البيروقراطية شديدة التمركز و إدارة الخبراء.                                      
لقد أدى تطور الإنتاج على صعيد أكبر إلى القضاء على القاعدة الاجتماعية لنظام برودون و هي الصناع. و انقلب العمال على السيطرة البرجوازية بتنظيم أنفسهم في إطار حكومة ذاتية محددين قواعد جديدة للعمل في نفس الوقت الذي كان فيه العدو على الأبواب و كان أول قرار تصدره الكمونة هو إلغاء الجيش النظامي و بعدها تم الإعلان عن طبيعة النظام السياسي الذي تسعى الكمونة إلى إرسائه : إعادة الهيكلة وتبسيط المصالح العمومية ، لقد هزم الشعب المسلح النظام البرلماني فلن تعود الجمعية العامة مجالا للغو بل ستصبح مجالا فاعلا وعلى الذين يصوتون من أجل إصدار القوانين أن يكونوا أول من يطبقها فلن يعود هناك فرق بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية. كما ألغيت خدعة استقلالية القضاء وأصبح القضاة ينتخبون ويعزلون كما هو الشأن بالنسبة إلى كافة الموظفين العموميين. وبما أن ممثلي البروليتاريا لا يضمون جميع عناصرها فقد تقرر عزل هؤلاء الممثلين المنتخبين وبذلك تم ضمان استمرار السلطة في يد الشعب عامة وفي كل وقت. و أضحت أجور الموظفين بنفس حساب أجور العمال لتوضع بذلك قواعد متزنة للتسيير لضرب التقسيم التراتبي للعمل. وأُصدر قرار يفصل الكنيسة عن الدولة ويفرض علمانية التعليم ويحتضن كل مناحي الحياة الثقافية. وتقررت مجانية التعليم الذي انفتح أمام الجميع وأعيد النظر في المناهج التعليمية من القاعدة بمشاركة كل أفراد الشعب واتجه النداء بشكل أساسي للمعلمين حيث طولبوا بالتطبيق الحصري للمنهج التجريبي و العلمي الذي يبدأ بدراسة الحوادث الفيزيائية والأخلاقية والثقافية.                                                   
عمل الطوباويون جاهدين لابتداع أشكال سياسية للحكم في حين تجنب الأناركيون النظر في القضية على أن الديمقراطيين البرجوازيين الصغار قد قبلوا بالشكل البرلماني ، لكن الكمونة عملت على ابتداع شكل مستوحى من التطلعات العمالية يكون أساسه التسيير الذاتي و  هو الشكل السياسي الذي ابتدعته البروليتاريا من أجل تحرر و انعتاق الاقتصاد والعمل. و لم تكمن أهمية لجنة العمل والتبادل المكونة في غالبها من أعضاء الأممية الأولى في القرارات التي اتخذتها بقدر ما كانت في الدفعة التي أعطتها للعمال ليأخذوا بزمام مصيرهم بين أيديهم. وقد طالبتهم في البداية بفتح أبواب المعامل المهجورة من لدن ملّاكها الرأسماليين وتسييرها في إطار جمعيات و تعاونيات للعمال الذين كانوا يعملون بداخلها وكان الهدف من كل هذا جعل الأرض ووسائل الإنتاج أدوات بسيطة للعمل المشترك الحر. لقد كانت معامل الكمونة نموذجا للديمقراطية البروليتارية حيث كان العمال يعينون بأنفسهم مسيريهم ورؤساء الورشات ورؤساء الفرق. كما يحتفظون بحق عزلهم في حال عدم الرضى عن العلاقة التي بينهم أو في حال عدم الرضى عن ظروف العمل. وكانوا يحددون أيضا بأنفسهم أجورهم ومواقيت العمل و ظروفه. زيادة على ذلك كانت تجتمع كل مساء لجنة المعمل لتحضير عمل الغد وبذلك استطاع عمال بسطاء أن يسيروا أنفسهم بأنفسهم وفي ظروف جد صعبة. وبذلك عملت الكمونة من خلال التسيير الذاتي للمنتجين على تحرير العناصر المؤسسة لمجتمع المستقبل. وهلّل السيد ماركس لمدينة باريس العاملة والمفكرة والمناضلة والمثخنة بالدم التي تناست الوحوش الذين ينتظرون على أبوابها في غمرة احتضانها لمجتمع جديد.
لم تستمر الحركة الشعبية التلقائية لكمونة باريس سوى شهرين بعدها كان قمع حكومة فيرساي الذي مثل أبشع وأدمى قمع في التاريخ. إلا أنه وفي هذه الفترة الوجيزة وقبل أن تسيل الدماء حقق عمال باريس معجزات لم يكن بإمكان الرأسمالية تحقيقها طيلة القرون التي خلت وكانت أكبر معجزة هي حضورها الذاتي وعملها. فقد ألغت الكمونة الجيش النظامي وعوضته بالحرس الوطني وكسرت بيروقراطية الدولة وحجمت الامتيازات المالية للموظفين إلى مستوى أجور العمال وجعلتهم معرضين للعزل وألغت تقسيم العمل بين الممثلين التشريعيين والممثلين التنفيذيين وجعلت من البرلمان الذي كان مجالا للغو سابقا مشغلا للعمل وأبدعت ظروفا جديدة للعمل.
وخلاصة القول لقد عملت المبادرة الإبداعية للجماهير على جميع الأصعدة لضمان أقصى حد من الاستقلالية للشعب لترك أقلها لممثليه المنتخبين. وبذلك نزعت عن جميع الأشكال السلطوية أقنعتها التميمية.


الثلاثاء، 26 مارس 2013

قبل أن يتوقف القلب


النظر فى المرآة فن انثوي...لكن الالوهية ان نلتقط وجوهنا كلها دفعة واحدة حين ننظر فى المرآة ... تعلمين لما أيمم نفسى اتجاهك؟ ربما لأنك فى هذه اللحظة بالذات تقلبين وجوهى الكثيرة التى التقطتها انت من مرآتى فى غيابى ؟؟؟               

تتبعك الشمس فتلمسين الشفاه المكتظة بالألم على طيّ الرعشات ثم تقعدين كراع بين أحزان قطيعه و تفتحين كتاب الندب. و تقرئين عن غراميات نجمة كسلى تخلّفت عن الموت و تشهدين أن القمر فارس المستقبل. تلك الخطايا و الصور العذبة و المخيفة و الشّاعرية و الحاقدة التي تجلس داخلك تمزجك بقَزَح العرق المفتَّق من كثرة النحيب و الفرّ و تُشعرك بحقك في أن تفلسفي الأشياء كالأرانب أو الوعول.            
الرّسم النّارنجي يراودك و ينشدك و تلك الإبتسامة الماضية المعلقة كالسيف على الجبين تحتضنك.         
و ها أنت خمر الآتين و الغادين و روحك فوضويّة البُجع. لو ترفدين القرى بمنديل من الحب و ترافقين العصافير حيث تمضين و تشكّلين الأنهار كقارب لما ابتدأت تلك المرثاة العالقة على رئة القلب كالطحالب.   
إكتفي أن تنثري الحبوب في الفضاء الوسيع و اغمزي للعابرين : هلموا إليّ. فلا يمكنك أن تعيشي دون رقص و غناء و لا يمكنك أن تحلمي يوما أنك غنية بالحب.   فساعة تهدرينها في السكون و ساعة تمكثينها في الشوارع غيرُ عارفة أين تقع المقابر و لا ما هي الحدود بين القارات.               
و عشية احتضار نجمة في السماء قد تقررين الرحيل إلى أي مدينة بعيدة عن السماء و لن يكون بيديك شارة دخول و لا على وجهك نافذة فتسقطين في هوة قيصر محنطة من الدماء و حولك ضبّاط مسلحون. لن تبكي طبعا و لن تضحكي بالفعل ، بل سرعان ما تمسكين بقلبك المتيبّس و ترمينه إلى أقرب نيشان معلّق على صدر جنرال.                                                                                              



الأحد، 24 مارس 2013

بصمــــــــة...




*                   أتت اللحظة القابلة للموت و الحياة، سأرحل من جديد باحثا عن الضحايا الذين أصيبوا بالزلزال، و عن العاشقين الذين يدخنون السأم بالوحدة، و عن النساء الوحيدات اللواتي يشربن الألم في الليل من الذكريات الممتلئة بالموت. سأعزف للجميع على ثقوب قلبي و أوزع لهم قطع السعادة من دمي...

الغربان في قلبي جعلته نافذة لبيت قديم، و الأعراس في خطاي نمقتها تواشيح التعذيب، و الدم على شفتي صيرهما صلاة للموت... الأذن على الجدار، و هناك التوثب و الحلم و تعويذة على الصدر ... و على الجبين ساعة الغضب ... و سمة الإحراق. كلانا في الصورة ثم البعد و جسدي مدخنة الغازات... لتهرب كل الهموم و تأتي مصفقة لأسمع... و هل من مزيد...
 يا دار الجياع و قصر المراثي، غيبوبتي مرآة لبقية الباقين و إنحسار الدمع في مسيري كون بحرا من برتقال و عيونا من جمر لا يعميهن البكاء...
يا أرصفة المدن السوداء إنخرطي في ثيابي شرطيا و تعالي لنفتش سويا عن هاربة أو لاجئ، فالحب يبدأ من وجهي المتجمهر و الموت متحد فيَ كالصلصال... الليل بما فيه من كؤوس الشاي و رائحة النوم و أريج الشوق و الخوف... و صدى الآيات القرآنية لعجوز في السبعين ... هم مني كلحن السجناء عند إحتضان الأشجار...
هلا نسافر... أخذت ما أبغي حيث أشاء و احتضنت من يريد كيفما يحلم ... لقَمت السجن بكتابات معمدة من جرحي الساخن و انزويت أصهر الرصاص فوق البؤبؤ ، حين تأبطت الرؤيا و كل الجسور إلى السماء ؛ و طاقتي جسر للكل نحو الكل . من يبكي يلقى شكلي في الدمعة و من يتمعن في الشكل يرى أنه نقيض لما يحتوي... إنها الرؤيا و الرؤية و النار تصوير فيه أجمل الطواويس...
الضياع موعدنا و على نهد الأزقة وسائدنا و بعظمة النصر ثقافتنا ، ثم بالقيد ثورتنا ... فاليسكت أي صوت فيه جرس و ليأت الله في صورة من نهوى... ... ... هذا التقاذف منظار يكشف كم جميل هو الإنسان حين يفكر...


السبت، 23 مارس 2013

التّداخل



·      أبعث إليك بشيء غير مألوف في عيد الميلاد، هو وعد بأن لا أطلق النار على نفسي...

متدثرا بالبحر من زمن الفجيعة، ملتفا بالألم من رائحة الميتات المتأكسدة و شاردا كخضرة الزيتون الإشتهائية. حين كنت جالسا في خيمة غجرية تلامسها الشمس و الأتربة الداكنة. كان طفل صغير يفتح يديه للحياة، ساترا جسمه بقميص لا يزيد عن إصبعين و من الأسفل عاريا كالرمح. كانت البقرة تتنفس من تعب الأعوام و تزفر بقوة الجليد، و ثمة عجوز في التسعين من عمرها تنادي محمدا ... يا محمد ... ثم تغفو وهي تحتضن محمدا بساعديها النحيلتين و وجهها المتخم بالقطيعة من جمهرة الإغتيالات و حوادث العائلة و من طيات السجون الواسعة و من هذا السرطان الذي يسمونه عالما ذا مساحة و سكان و إقتصاد و سلطات.

الأشجار بعيدة و القمر يتشيأ الجبال و الصخور، و الوحات تبدو أشد سوادا مما مضى و ذكر في المعارض،  جميلة مرتدية ثوبها الفضفاض الأزرق، ثائرة شعرها كاللقالق في أفواه الأفق... إنها تنظر نحوي بخوف و حذر و السواد يلف عينيها الطليقتين من فسحة الموت ... حدثتني بهدوء و حرقة عن هابني و كامي و عن وفاة العجوز سارتر و المسافات و المقابر، و انتهت وهي تحلم بعذاب االمساجين و الله و ...
أما أنا ملك الفوضى و التعب و الترحال و الإنتظار، كنت مقتولا بالصور و على استعداد بأي لحظة تومئ إلي بأن أشرب ماء البحر بغمضة عين و أن أستلقي في نهر مليء بالروث و العفن و أن أقاتل أسود الغابات الإستوائية و أن آكل كافة زرافات إفريقيا المحروقة و أن أخلل البقرة الهرمة النزقة بين أسناني و أنام في عراء الهند الصينية...
عاريا من الداخل، وحدي في الشارع ، أدقق في وجوه المارة و أمضغ الدخان بشدة؛ المعامل، الجنازات ، المقالع، القبور لنفسي قرب الشلل العصري و يافطات الشوارع: أطباء، حوانيت، مهندسين، مقاهي، هنا مات نبي و هنالك قبر عشيقتي ، هنا قصفت المدافع للموت، هنالك جلس أخي.
بعد بضع سنين سيمتد البحر الى اليابسة و تعصف الكتب بالإنتظار على الأرصفة، سترقص جماجم الموتى و يُأكل الرماد بحيوية و قد نفترش الرمال مع أحزانها برفقة الشمس و الإنسان و اللغة الجديدة.
الحياة و الأجساد التي تمتلك القلوب و تحب فيها الحقول ستغني للطيور و سنلتقي جميعا على كف الحياة المستدير كالخبز،   سنراقص الحمير و نلهو بقصاصات الماضي ، و العصافير تدف قرب الطائرات كأصدقاء ... قدامى سنمازح الكلاب و وجوهنا ملأى بالضياء الذي يبدد الظلام.


إسقاطات




يجلس بعيدا عن المدينة الميتة و يأخذ نفسه في بعد عن الحلم، ذبلت الورود بين عينيه و على شفتيه قعد الجفاف الأزرق يحاصر أسنانه التي باتت أسيرة للوحدة، ستتهشم حين إصطدامها بأول زائر ... يكافح نزيف العفن و الأمراض و يرصد الإنفجار؛ السماء عارية ليس فيها شائبة من حزن، و الأرض حمراء تضخ الأغاني و تنشئ الأجيال و هو مازال يتذكر... تقوست رجلاه و تمنطق رأسه بخيوط بيضاء لا تعرف المجاملة و على وجهه سيماء الإصفرار و بيده رعشة، ممددا كالمرساة على صدغ التموج.يذهب إلى العمل مستعدا كالكآبة، أياما يعود مسرورا و أياما سوداء يعود مطأطئ الرأس يتأرجح و السيارات تضايقه من كل جانب، و لم ينس أن أتفه شيء في العالم يعرفه ـ قرأ عن قابيل و هابيل و تمعن في نظرية داروين و في غرفته الزرقاء قوانين جوستنيان و الإقتصاد السياسي و تاريخ العالم المنكود ـ و في قلبه جموع من البشر المتعبين و فراشة عاطفية.
الشجر مختلف و الضلال لا وجود لها، القمر متورم العينين و شعره صبيغ بأفكاره الشتى و قلبه ينفجر شظايا، و خبث  المسؤولين ينسخ الغيوم لتحيك الضماد و الكفن للثائرين. و لا وجود إلا لرجل يداه على صدره كأوتاد الخيم و عيناه على ركبتيه تكبو و جبينه ببطء و رتابة يشتعل، و المشافي و السجون و الجامعات و المدارس و الأسرة و الصحف و البطالة عالقات في مشجب الدماغ.

·      أيها الأحياء تماسكوا من قبور موتاكم و عاقروا الشتائم لذوي الثياب الأنيقة و السراويل المذهبة.
·      أيها الصغار إلعنوا آبائكم.
·      أيها السجناء السارقون لا تكفوا عن الثرثرة.
·      أنتم يا حواريو الليل تستروا بوجهي و تسمروا على قلبي و لا يغب عن بالكم أبدا قبل أن ترقدوا على الأرض، البصق على أي صنم يقدسه النائمون و ليكن عشقكم لمن هم في عداد الحثالة.


الخميس، 21 مارس 2013

حنين




كان صبيا مجنونا و طائشا. يمقت الطرائف و المغامرات. لا يكترث للغرابة التي يعتنقها و لا لمواقف الآخرين. فالمهم لديه أن تكون أفكاره الصغيرة مرضية في سياق بحثه و أن تكون مواقف الآخرين مدغدغة لكسلهم.

كان حاد الانظار و قاسي القسمات. و أطرافه الهزيلة تمتد حول جسمه المتناسق و هو يسير في الطريق إلى المدرسة مرسلا ساقيه بغير هدي متغافلا عن الحذر مادّا أبصاره إلى الذُّرى و مطلقا يديه ليسند راحتيه إلى الفضاء. و أنفه الصغير منجذب إلى رائحة الأرض الندية. و أسماعه مفتوحة على الأغصان الهامسة و على غناء العصافير. و بحسه الطفولي العذب يسلم نفسه لنظرات الشمس الدافئة و ألسنة الأمل المتدفقة من السماء حتى يمكنه اختزان الثقة و الحلم.

كان متقد الذكاء و شديد التيقظ و واسع الخيال. يحلم أن يصعد فوق قمة الجبل و ينطلق محلقا في الفضاء مثل الطيور أو إن أمكنه يبلغ السماء و لا ينزل من جديد مثل الأبطال الذين طالما حدثته جدته عنهم.


الأربعاء، 20 مارس 2013

الرجوع



الى عينيك هذه الليلة الباردة آوي، حيث الإمتداد الذي يشبه الحرب، و على أصابعي أن تحترق من اللعب الأزرق و هو يقبل وجهي قادما من عينيك، تجنبي طردي و لا تقولي إبتعد ، إن الرحيل في هاتين الصدفتين الغريبتين كاف لغسل ذنوبي و ألمي، و دفء الشق الدائري في قلبي ... سأعطيك القليل من الفرح المصحوب بالحزن و قد أسألك و أنا في سور الحديقة قرب أشجار الياسمين الصغيرة أن توصدي الجفن الأرجواني على زائريك و لا تتهميني بالشغب.




السبت، 16 مارس 2013

قراءة


  
في سياق تنامي وتجذر المقاومة للنظام الرأسمالي في تجلياته المختلفة: "عولمة الفقر والظلم والاستغلال الاقتصادي والاجتماعي للجماهير الشعبية في مختلف المجتمعات ونهب ما تبقى من موارد في الكوكب، وعولمة العسكرة والاحتلال المباشر ". كما يأتي في سياق خيانة الطبقات الحاكمة في كثير من بلدان العالم الثالث واصطفافها في معسكر راس المال وهرولتها بكل ألوانها نحو "مساومات الاصلاح و الديمقراطية" مع رأس المال ومهادنته كبديل عن التغير الثوري، نرى أن الثورات الجماهيرية العربية وقع التآمر عليها و قمع كل بذرات لتركيز مطامح الجماهير في الشغل و الحرية و الكرامة الإنسانية و غيرها من كل أشكال الجذب الى الوراء بل أكثر من ذلك نلاحظ تركيز أنظمة أكثر عمالة و تبعية من سابقاتها و هي تتبجح بشرعيتها التي جنتها من الصناديق متغافلة عن كل الظروف التي أوصلتها لسدة الحكم و هاهي الآن تجد نفسها في موقف غبي أمام تنامي الرفض و الانتفاض حتى أنها تعتمد كل أساليب التلهية و صرف النظر، و الواقع الآن في تونس يأكد أن هذه القوى تقف عاجزة و لا تجد شيطانا لتكيل له التهم حتى أنها أصبحت الشيطان المتهم الوحيد. و هذه اللحظة التاريخية تحتم على القوى الثورية التوجه المباشر نحو تفعيل الانتفاض الشعبي و صياغة عنوان رئيسي تلتف حوله الجماهير و لن يكون هذا إلا بالقضاء على كل أشكال الانتهازية و الازدواجية و النفوس السلطوية المريضة. إن الشعب المقاوم البطل الذي لا يتوانى في البحث عن سبيل لأجل خلاصه يستحق منا أن نكف عن لمهادنة و التلكؤ.  إنه أوان التوحد من أجل أهدافنا السامية.

جغرافية الغربة



 إلى الضياع و التشرد...
إلى النوم على الأرصفة...
 إلى المختصين في قضايا الغربة...
إلى الفضاء الرمادي و الموت...

توضئي بدم يجري من هذا القطيع الهوجائي الذي يسمونه ثورة ، باشري في الصبح الرقص على ضفاف القناديل المطفأة التي تنبت على وجهك الساخن البارد في الوقت ذاته، فبكل زمن قطيعة و وصال لك ، و بكل إرتعاشة موت و حياة لك . كل الورود لك ، و الورود تنضدت و سافرت إلى المقابر و المقابر تنصلت من الهموم و رحلت إلى بيوت الدعارة ... و الملايين التي شكلها الملح تطلب المزيد .  و أنت كلما تدخلين المحراب تجدين النهر أحمر و الصبية عراة و الإنسان نصفه رغبة و نصفه خوف.
أصحاب الدوائر اللامعة كوجه القمر لن يلبثوا أن يتواروا بزاوية آخر اليل ، فيها الزواحف و أكياس القمامة ،  إنهم أنبياء سيفدون كل ليلة، لا تخافيهم دعيهم يحتكون بجلدك المثلج، تباركي بتلك المداعبات المقدسة. سيفدون إليك كل إنحناءة و يأتون إلى دربك من  بعد عميق ؛ لا تتعثري فلن يطول الرعب فيك إلا و تبدئين من جديد بالبحث عن الحب و لن يعيرك أحد إهتماما.
الوطن بدأ مثل دخان تبثه أفعى تتثائب، إنه تابوت السرقات تحمله الجنائز للملوك. يحدثون عنه المتسولين و الكلاب  و المستمعين و يصفون عاداته بالجملة مع إبتهال لأعماله الشرعية و ذوو الهياكل المقوسة و اللحي و الجوع يعملون دون أية مشاغبة، إنهم حزينو القلب و كبيرو الحلم كصفحة بيضاء، إنهم دفاتر عصر الإغتيالات و السرقات السياسية. لم يفكر واحد منهم أن يناقش في وحدته لم وُجد الماء ... لم يُطبق بفمه على يد صاحب العمل ... لم إنتحر أحدهم ... حتى و لا كيف يجب أن يقبل زوجته... إنهم الماء الذي   يعدو و الزُنوج بمآسيهم الأليمة و هويَاتهم النظيفة.

توضئي من ضجيج النوم و تعلمي الحب من زقزقة الرصاص و عيشي وحدك بعيدا في جبل من أيام تهتز كأغنية غير مبيضة السجل العدلي . و ليكن زادك الجوع و التشبث بالأرض و لا تفكري نهائيا بأولائك الزواحف و السفلة الذين يملؤون المدن بالكوليرا و الطاعون القديم من كثرة الإستغلال.
أرسمي لنفسك البنفسج و الياسمين و الحب . و ألصقي عينيك الحادتين في الأفق و تبادلي الحديث مع أبعد شهب و لا تنسي قبل نومك أن تطالبي السماء بالمطر و الأرض بالخصوبة و النجوم بالضياء . المطر ينتظره فلاَحو القرى الغير مضاءة ، الأرض حلم الجائعين ، الضوء ملعب الأطفال في الريف ...  و أخيرا  ليكن صمتك حادًا كالغربة و البعد.

الجمعة، 15 مارس 2013

تحولات تنساب من ذاكرة مملوءة بالحب



تعلمي الحب من  زقزقة الرصاص و عيشي وحدك بعيدا في جبل من أيام تهتز كأغنية غير مبيضة السجل العدلي و ليكن زادك الجوع و التشبث بالأرض.

تلك الأغنية التي داعبت جرحي تبتسم كأسطورة في جفونها نوع من النسيان و تسألني فأُجمد اللحظة . لتلتصق الكائنات مع الأحزان و يتنفس الشعور الإرتياح لفترة . لم تكن الأغنية رتيبة و لم يكن حجمها صغير ،كانت واسعة كالنوم و مفجًرة بالجمال كالموت ، أرددها الآن لأحيى و آمل آن الصيف الآتي سيمتلئ بالحركة و الجروح ستتسع بالسحر لتُقطف كالورود.
لدقيقة أحزن دون مبالغة ، فلقد مضى الصيف بسرعة دونما أن أمسك بعد الإيقاع الحياتيً للوحدة ، مضى الصيف غاضبا من بلادتي و إحمرار وجهك . ضاع بجنون ، ينحى بمدرجي حينما إعتقدت أنني سأجعلك سعيدة و أراك من خلال الدموع . لكن دهاليز الغبطة ضاعت و بقيت الأغنية التي صاحبتنا في غرفة تعيسة مسترسلة من شفاهك الكُثر و متوثبة كالصقور . لم أستطع أن أجعلك رقصة ، حين أنك صيرتني مترددا ...  إبتهاجة التمرد ، كان من الممكن أن لا تنفك الموجة و يبقى الطريق مليئا بالأجساد و الدماء و الرقصات و الفرج ، لو تمتعت بجنوني بما فيه الكفاية و احتضنت أغنيتك كزهرة.
صدقا ، مجمل ما حدث كان سعيدا و لا أحمل ذرة حزن على ما مضى ، إذا توقعت بيقين أنني لست فيلسوفا ، فبآلامي التي أفردها كزوادة الحروب و بمسافاتي التي أقطعها حافيا و رقصاتي الحادة و عاطفتي غير المتناهية في الصلابة أضمك كالشجر و البحر و الأطفال و لمناسبة الأغنية قي هذا الوقت الرتيب أداعبها بشفاهي و أمزجها بشهيقي في متانة و أقذفك بابتسامة  تصهر الشمس و دون أسف لعودة اللحظة ... لأنها باقية كآثار البراكين و قفزات الأرانب . فما من غريب إلا و داخله أن يعود : تلقفتنا الأغنية بفمها ثم أبعدتنا لنزرع الحياة فوق الدموع و نزين الجروح بالحب كي يتوارثها الأطفال و يرضعوها في الزجاجات و لنصبح كلانا إمتدادا للبحر.

تصور أنك أنت كتبت كل ما قرأته و فسر نفسيتي شئت أم أبيت .

الخميس، 14 مارس 2013

شهادة ميلاد فوضوي



حين صادفته كان شبه عار ينبش التربة  برقصة غير متناهية في الحدة و على وجهه جداول من البخار و بقربه الشاهد، سألته عما يفعله في هذا الوقت المتأخر بتلك الأرض الجرداء من السميات، لم يقل شيئا بل سارع في الرقص و ضاعف في الحركة حتى سقط و تقلص التراب على جسمه مدندنا بغضب: "لم أقبله بشكل جيد و تلك الرقصة لم تكن عنيفة لأن الماء تأخر في الصعود".                                        
علمت أخيرا باستقراء فكري و استنتاج عملي أنه كان يقرأ الفاتحة على قبر صديق له مات منذ زمن و يحفر الأرض كي ينبثق الماء و ترتادها الطيور و تعانق صديقه و يزدهر القبر بالحب أما عن كنيته فعثرت على ورقة محتوتة ملصقة على الشاهد توضح من ذاك الرجل: إسمي إنسان، و أبي إسمه الحب و تدعى أمي الأرض.
من مواليد الأزمنة عامة جنسيتي أي مكان موجود بالأرض علاماتي الفارقة جنون في العاطفة و   تفكير مستمر في هموم الأرض و ثقوب متلاحقة في القلب.                                    
حالتي الاجتماعية غير متزوج و لي أربعة أبناء الأول الحب الثانية الأرض الثالثة الحرية الرابع الإنسان.       
برجي كل أنهار العالم بما فيها من حزن و فرح و نزق و حب و طيش و عقل، لون وجهي غير متجانس؛ ساعة أراه أبيض و أخرى يصبح أحمر، تحت الشمس يبدو أصفر و حبيبتي تحدده بالأسود.                
أمنيتي بسيطة جدا و مميتة جدا؛ أولا أن تسكن الابتسامة كافة الشفاه و تغني جميع القلوب للحب.       
ثانيا أن يدافع الكل عن بسنادا.                                                     
ثالثا أن تأخذ الكلمة شكل الدم.                                                     
رابعا تعميم الرقص الجنوني على كل الأطفال.  

                                                                 

شرخ في الذاكرة




الى "بسنادا" زاوية آخر الليل، لا تذهبي بعيدا عن زاوية الحب و العرق و إنتشري لدانة عطر على الجسد الغائب.


إنه الخوف حين يستوي بين أنغام تخرج من السكون يرافق المعتقلين حين تزخ الأرض... الجثث ندية بالتقيؤ من أشداق مصابة بالجوع و الظمأ... لا غربة لا رحيل حيث تقبع ملايين الأعداد كرقصة تتماوج عارية مع سهام تشبه مرض السل. إنها القلوب التي أزيحت عن الآدمية تقطر غضبا لتركب الأرض التي تفرز النعاس مع الشرايين.        
القطارات تجيء بالمسافرين و المتعبين و الغرباء و السيارات تمضي بأموات فيهم رائحة الدم. مصابيح مدلاة من شفاه يبست من الكلام و الصراخ في الإذاعات و المقابر و أياد كأفاع ما فتئت تغير جلودها و تنز البثور من التلويحات و حمل البنادق أو من التعب لأنها لا تعمل شيئا...   
قصور يسكنها مصاصو دماء ينادون في المجالس بالحرية و في الثانية عشرة ليلا يخسرون المليارات من العملات على طاولات الروليت...                                    
أطفال تستجدي الكلاب ألا تأكل و نساء تتعرى من أجل سد الفم أو من أجل حب الشهوة أو اللاشيء الموجود بداخلهن.
إنه السأم أو الفوضى... 
                                                                   
 
و أولائك فرحا و حزنا يخرجون في الساعة الرابعة صباحا و بأيديهم الخبز و الخيار و يتوزعون من خلف الأبنية و هم يغنون. يصرخ فيهم و قد يشتمهم رب العمل. و على سكون الجسد أمام الغضب الاستغلالي يضحكون خشية قطع الرزق ويعملون؛ أحدهم التصق بالأرض إثر سقوطه من عشرين مترا و آخر قطعت يده بموس الآلة و البقية على طريق مشابه لما حدث.  
في التاسعة يعودون؛ لا حزن و لا تذمر، مثلما ذهبوا حرفيًا مع قليل من الاسترخاء. ينامون دون تقبيل زوجاتهم أو أطفالهم، على الغالب فوق قطعة من الخشب. لا يعرفون الحلم عدا أيام الآحاد و المناسبات السعيدة المفقودة. لم يسمعوا الموسيقى إلا من ثغرات السَادة. في الصباح السَاعة الرَابعة يشعُّون؛ إنهم كالشمس ضياءا و القمر خلودا. يقرؤون أيام الأعياد و بطريق المشافهة الفاتحة على أمواتهم ثم يرجزون أغنية
" ترحال و تطواف ....                                                                                     
و كالأنبياء نخلد...                                                 
أزاهير الربيع من حلمنا تنمو...                                                      
و نحن بضفاف الهجرات...                                                                 
نغني و نأكل...                                           
 نأكل و نموت...                                            
 و رغم كل شيء نعمل."                                                                   
و حقا لن يقفوا عن التفكير فيما يكتبه السادة و عن كيفية التفتيش عن رغيف خبز.   

                       

الأربعاء، 13 مارس 2013

الأناركية و التنظيم




لا يتوانى الشيوعيون السلطويون عن نشر صورة زائفة تماثل تماما ما تردده الرأسمالية حول اللاسلطوية. حتى أنهم لا يكفون عن دعوة الأفراد اللاسلطويين للإنضمام إلى أحزابهم الشيوعية حتى يتعلموا الالتزام و الإنضباط .
لم تعد خافية علينا إدعاءاتهم الكاذبة خصوصا بعد إعتلاء كثير من الأحزاب الشيوعية سدة الحكم في كثير من البلدان، حيث طبّلوا كثيرا لنصر العمال في السيطرة على السلطة و ادّعوا أن خلاص الإنسان بات على مرمى حجر. و لكن بمرور السنوات تحولت تلك الدول إلى أنظمة للقمع المنظم و لإخضاع العمال في قالب دول بوليسية فاشية ، فأصبح العمال لا يملكون أي حق في" دولة العمال" و تزايد البؤس و الإستعباد و الإنحطاط و الإستغلال و حرموا من أي حق في التنظم و الإتحاد و ذلك إما بالإخضاع أو بزيادة أعداد الإداريين المكلفين بالتسيير أو لنقل المكلفين بمراقبة الأفعال حتى أضحت طبقة جديدة متنفذة و واسعة السلطة و الإمتيازات (البيروقراطية).                                          
كشف اللاسلطويون الشيوعيون خصوصا إنحراف الشيوعيين السلطويين منذ البداية و نبهوا إلى أنه ليس  ببال تلك الأحزاب إلا الإستيلاء على السلطة و إنتزاعها من يد الجماهير ، رغم إيهامهم للناس بضرورة "دولة إنتقالية" يمسك بمقودها طليعيون يفكرون للطبقة العاملة و لابد لهذه الأخيرة أن تدين بالولاء بما أنها لا تمتلك درجة الوعي التي يمكن بها أن تتحرر من كل أشكال السلطة. و هذه "الدولة الإنتقالية" ستندثر بمرور الزمن.
و استمر معتنقوا العقيدة الجديدة (الماركسية اللينينية) في بث أوهامهم و مزاعمهم بكونهم وحدهم يتمسكون بفلسفة البروليتاريا و بأنهم قادة الثورة التي ستأتي و في كل لحظة لا يتوانون في مهاجمة أعدائهم اللاسلطويون الشيوعيون دون تقديم أي نقد موضوعي. ليس غريبا على من إمتهن الإختزال و السباب أن يأتي هذه الأفعال و ليس غريبا أيضا على فريق الجاهلين صرعى الظهور المصابين بمرض السلطة المتعفن أن يفعلوا كل ما في وسعهم لمهاجمة من يعرف نواياهم حقيقة و ستزداد هجوماتهم شراسة كلما زاد توسع في قاعدة التيار الأناركي.
و كثيرا ما يدّعي السلطويون أن اللّاسلطويون  ليس لهم بدائل بنيوية محددة ، هذا ليس صحيحا بالمرة فلو حاول هؤلاء الإبتعاد عن الإختزال الذي أصبح رفيقا عزيزا عليهم و وجهوا نقدا موضوعيا بدل هجومهم الشرس على الأفراد لتبين لهم أن إدعاءهم كاذب و غبي.                                
يدعو السلطويون الشيوعيون إلى حزب طليعي منفصل عن مصالح الجماهير.
   
قد يتساءلون بغبائهم المعتاد حول هذا لذلك سأشرح الأحزاب الشيوعية تدّعي أنها صوت الجماهير و لكن في الحقيقة بينهما هوة كبيرة لا يمكن ملؤها بالملاسنة. ثم أكثر من ذلك الجماهير تنادي بالحرية و التغيير الجذري و لكن هذه الأحزاب مغرقة في الإختزال و لا تطالب بالحرية إلا لنفسها أو في أقصى تقدير لمنخرطيها و توغل في خطابات هلامية حول مشاريع الجماهير و حريتهم التي يصنعون لها قيودا محافظة.                     
 نحن نكوّن مجموعات دعائية منخرطة انخراطا لا مشروطا بالجماهير تناصر إباحة الحرية دون قيد أو شرط.   
هم يطرحون جملة مبادئ و برامج خاصة يريدون قولبة الحركة فيها.                         
نحن لنا غاية محددة و نحترم التطور الحر للفرد و لا نمارس دور المفكرين التعليميين بل على العكس تماما نساهم و نساند مصلحة مجمل الحركة في مختلف أطوار التطور بالعمل و قوة الاقتراح.                      
هم ينادون بالتأميم و بمركزة وسائل الإنتاج في يد الدولة.                                    
نحن ندعو إلى المشتركات الجماهيرية إذ بالنسبة لنا لا تعني الملكية الفردية (سواءا كانت بيد فرد أو بيد دولة) هي ملكية رأسمالية مهما كانت التدبيرات حولها. و المشتركات تنتزع القدرة على إستعباد العمل.               
هم يدّعون الإنضباط و الإلتزام بالتنظم الحزبي و يتهموننا بالفوضى في غياب التنظيم.                         
نحن نؤمن بضرورة التنظيم و لكن نرفض بكل شدة مفاهيمهم حوله.                         
و هنا سنستعرض مفهومنا للتنظيم :                                  
نحن مناضلون ثوريون إجتماعيون نهدف إلى طور لا دولتي يكون فيه الإتحاد التعاوني الطوعي الحر و الإدارة الذاتية المستقلة للحياة الإجتماعية و الإقتصادية الشكل العام للبناء التنظيمي لمجتمعات تنتفي فيها الفوارق الطبقية و كل أشكال المركزية  و تباح فيها الحرية الفردية. و لسنا نتوهم الغاية أو نقف خلف الحلم دون السعي و النضال الدائم من أجلها. و لذلك فرفضنا للإجماع حول فكرة لم يمنع تحلقنا في جماعات لا سلطوية تخلو من أي نزعة زعاماتية سواءا لفرد أو للجنة مركزية و تتقارب في عملها و رؤاها مهما يكن تعتمد على توافق رغبات الأعضاء في التعاون للنضال سويا و الإلتزام بمبدأ حق كل عضو في التعبير عن رؤيته بكل حرية. و تضع هذه الجماعات السياسات و خطط العمل و تؤدي وظائفها بارتباط بالنظرية اللاسلطوية و الممارسة الاجتماعية و تنخرط انخراطا لا مشروطا في الصراعات الطبقية الاجتماعية من أجل إسقاط النظام الرأسمالي و كل شكل من أشكال السلطة.                                         
و لأن هذه الجماعات ستكون منتشرة و متباعدة جغرافيا و النضال يتطلب الإطلاع التام على الوضع العام فيجب البحث عن آليات للتنسيق في ما بينها و لا يجب أن نسقط في خطئ تشكيلها فوقيا مهما يكن. و تتشكل هذه التنسيقيات بالأساس من عناصر منتخبة أو مفوضة حيث أن كل قرار لابد أن يتخذ عبر نقاش لاسلطوي بين كل الأعضاء تُحترم فيه كل الآراء و تعطى نفس الوزن و الاعتبار و تتخذ القرارات بالأغلبية مع احترام الأقلية المخالفة .                                   
و يجب أن لا نسقط أبدا في خطئ إعطاء مجموعة أو فرد الحق في التفكير و إصدار الأوامر مثلما ننفي نفيا قطعيا عن أنفسنا أية نية للتفكير عوض الرفاق أو الجماهير.                            
كل ما نحتاج إليه هو تنسيق أعمال المجموعات و في الظروف التي تتطلب اتخاذ قرار عاجل فليس ضروريا انتظار جمع كل الرفاق و فالاقتصار على حلقة أصغر يكفي و يجب أن لا تكون هذه الحلقة مشكلة قبلا أو لها صلاحية فوق أو خارج إطار المجموعة.                          
نحن نرفض بشدة أي شكل من أشكال مركزة القرار فنحن نشكل جماعات حرة وفق شروط الاحتياج العام و لا نخاف أبدا انقسام مجموعاتنا في حال وصلت إلى حد الضخامة بحيث يصعب معها ممارسة النقاش و التصويت المباشر في هذه الحالة يصبح تقسيم المجموعة الضخمة إلى مجموعتين أو أكثر ضامنا لممارسة النقاش لكل عضو.                                          
و في الأخير يجب الإشارة إلى أن شكل التنظيم يجب أن يكون مرنا و البنية التنظيمية لا يجب أن تكون ظاهرة أصلا و لكن في الظروف القصوى (مثل القمع السياسي ، القمع الأمني ، ...) يجب أن يكون التنظيم محكما بشدة.                                                      
إننا نقدم بنية تنظيمية مرنة تتناسب مع فلسفة الثورة  و بالتطبيق العملي تكون أكثر صلابة من أي تنظيم آخر و أكثر مساواتية و واقعية و استجابة لتطلعات الجماهير.                                  
لسنا مقيدين بأي فكرة أو نظرية واحدة .                                     
لسنا إيديولوجيين و لا نطوف حول أي صنم.                                       
لسنا مروضين بالخوف من السلطة.                                 
ندعو إلى أممية تنسيقية تهدف إلى تحويل الأرض إلى تشاركية تغير العالم و تنهي المشاكل الاجتماعية التي يعاني منها البشر.                                      
ننادي بالتعامل الواسع مع الإبداع و التجريب و الإرتقاء لنجيب واقعيا على متطلبات الواقع.           
ننادي للاتفاق جميعا لنفتك عالما نكسبه يكون فيه التطور الحر للفرد شرط التطور الحر للجميع.