الثلاثاء، 30 أبريل 2013

حول الحزب الطليعي (الإشتراكية الديمقراطية)


يعتقد الاشتراكيون الديمقراطيون أن النضالات الجماهيرية لن يتسنى لها الإنتصار إن لم يكن هناك تنظيم سياسي يقودها و يؤطرها. و هذه الحجة المركزية لفلاديمير لينين أحد دعاة الحزب الطليعي : " ان الوعي الطبقي السياسي يجب أن يأتي الى العمال من الخارج أي من خارج العلاقات الاقتصادية والنضال الاقتصادي".
و قد عُرف لينين كمؤسس لنظرية الحزب الطليعي و لكن هذا خاطئ تماما فأول من تناول ذلك هو كارل كاوتسكي منظر الحزب الاشتراكي الألماني حيث أنه أول من وضع المبادئ الضرورية لمفهوم الطليعة. و قد كان يعتزّ بكارل ماركس و لكن يستمد تنظيمه العملي كليا من فرديناند لاسال صاحب المقولة الأساس للحزب الطليعي : " ضرورة ملء الهوة بين المثقفين و الجماهير". فقد طالب لاسال بشكل مباشر الطبقة العمالية بتأسيس حزبها الخاص والمستقل. و تجدر الاشارة هنا إلى أن السيد ماركس قد انفصل تماما عن لاسال الذي حاول الوصول إلى الاشتراكية عبر اختصار الطريق نحو الدولة المطلقية للملاك البروسيين تحت زعامة بسمارك "المستشار الحديدي". حيث أنه كان سجين فكرة "تخلّف" العمال رغم ما سطّره هؤلاء من صفحات بطولية في تاريخ القرن التاسع عشر. فقد اعتقد لاسال أنه مالك المعرفة و من واجبه "ملء الثغرة بين المثقفين والجماهير" في خضم احتداد الصراع الطبقي. و أن مهمته هي تلقين هذه المعرفة إلى "غير العارف" و "الجاهل". و قد كشف في دفاعه عن تصوره الخاص لدور المثقفين عند محاكمته بسبب تأثيره على الجماهير : "كيف حصل أن أضحت الطبقات البورجوازية تخاف من الشعب؟ تذكروا شهري مارس وأفريل من سنة 1848 ، هل نسيتم ما كان عليه الوضع آنذاك؟ لقد كانت قوات الشرطة عاجزة حين ملأ الشعب الشوارع وأصبح الناس والشارع تحت سلطة رعاع مشاغبين عديمي المسؤولية. مجموعة من الجاهلين الذين أنتجتهم العاصفة... أين كان المثقفون؟ أين كنتم أيها السادة؟ كان عليكم أن تشكروا هؤلاء الذين يعملون من أجل ملء الثغرات بين المثقفين والجماهير لهدم الحواجز بين البرجوازية و الشعب". هكذا كان تصور لاسال إذا للجماهير. فهل لا نلمس تماثلا تاما رغم بعض التزيين و اختيار الكلمات عند الاشتراكيين الديمقراطيين و البلاشفة خصوصا؟
كما اقترح لاسال أن يقوم العمال بإنشاء تعاونيات للمنتجين "بدعم من لدن الدولة" معتبرا أن هذا سيدفع إلى اعتبار الدولة البروسية المطلقية كدولة بدون طبقات. و ظل غير معترف باستطاعة العمال التغلب على وضعيتهم في العمل معتقدا أن ماركس كان "جد تجريدي" وأنه لم يفهم "السياسة الحقيقية" لأنه آمن بالإبداع التاريخي للعمال. و قد أقنع نفسه بسهولة قدرته على إجبار بسمارك على القبول بأفكاره وقد حمله إدراكه للواقعية السياسية على البحث عن مساعد في شخص كارل روبيرتوس وهو رجل اقتصاد "اشتراكي" في خدمة الحكومة البروسية. وفي البداية حصل فعلا على موافقة روبيرتوس في شأن مشروعه حول تعاونيات المنتجين المدعمة من لدن الدولة إلا أن روبيرتوس لم يتصور إمكانية تحقيق تحول اشتراكي إلا بعد خمسة قرون على الأقل. بينما كان لاسال مستعجلا يود الوصول "بسرعة" إلى الاشتراكية و إن أمكن بعد سنة واحدة.
ويجب أن نعترف بأن لاسال لم يكن اشتراكي صالونات بل كان مناضلا و لم يقتصر على الكتابة فقط. فقد ساهم في تأسيس أكبر حزب مستقل للبروليتاريا الألمانية للضغط على الدولة البروسية لإجبارها على منح مساعدات مالية للعمال الذين سيؤسسون معاملهم الخاصة. وبذلك كان من الواجب التحريض على الحركة في أوساط العمال. وهذا ما قام به فعلا بواسطة ندائه التالي : "على الطبقة العمالية أن تنتظم في إطار حزب مستقل وعليها أن ترفع شعار و راية : الاقتراع المباشر المساوي للجميع فهو الأداة الوحيدة التي ستمكن الطبقة العمالية من أن تصبح مشغلة ذاتية. كما سيقصى القانون الطاغي والقاسي المجمد للأجور في حدها الأدنى. و عندما تصبح الطبقة العمالية مشغلة ذاتيا سينجلي الفارق بين الأجور و الأرباح. ومن واجب الدولة أن تخدم لصالح هذه القضية العظمى". استجاب آلاف العمال لهذا النداء، فتكونت الجمعية العامة للعمال الألمان رسميا في مايو 1863 . وفي يونيو، وبدون مشاورة العمال –وكان ذلك شيئا عاديا- بعث لاسال إلى بسمارك بالقوانين المنظمة التي تم الاتفاق في شأنها، مرفقة بالكلمات التالية: "قد يكفيك هذا لتتأكد بأن الطبقة العاملة مستعدة ضمنيا لقبول الدكتاتورية إذا كانت هذه الأخيرة ستعمل لضمان مصالحها". لم يكن لاسال خائنا ولا من الذين تشترى ضمائرهم. لقد ناضل من أجل مبادئه ودخل السجن لأجل ذلك، كما لم يستطع أبدا أن يستسيغ إمكانية أخذ العمال بزمام الأمر، فبالنسبة إليه كانوا يمثلون "الرعاع"، وذلك ما ظنه سنة 1844 عندما ثار عمال النسيج بسليسيا، وكان آنذاك ما يزال طالبا، إلا انه اعتقد جازما في وجوب تدخل الدولة لضمان النظام. واستمر في نفس الاعتقاد سنة 1848 حين تجاوز العمال مرحلة مهاجمة الآلات إلى ضرب النظام البرجوازي. ورغم دفاعه عن انتصارات الطبقة العمالية إلا أنه ظل يعتبرهم "رعاعا" مستلبين من لدن "مشاغبين عديمي المسؤولية أنتجتهم العاصفة". ولم تتغير نظرته قط عندما ناشد الجماهير بإنشاء حزبهم الخاص والمستقل سنة 1862 ، ولم يفرق بين مناشدته هذه وهدفه الأساسي : "أن يكون هو على رأسهم". لقد كان العمال كتلة ضعيفة وعليلة بينما كانت الدولة قوية وكان بإمكانها أن تحقق "لكل واحد منا ما لا نستطيع أن نحققه لأنفسنا". وأحس لاسال بضرورة "تزعّم" الجماهير فهو المسيّر وهي المستمرة في العمل و ستعمل على ترشيحه لمجلس البرلمان. يقول في شأنه ماركس "إنه كان يتصرف كدكتاتوري عمالي للمستقبل مستقيا عباراته من القاموس الماركسي". فقد حل إشكالية الأجر ورأس المال " ببساطة و تلاعب". وبذلك كان على العمال أن يتحركوا من أجل المطالبة بالاقتراع المباشر وأن يرسلوا إلى مجلس البرلمان أشخاصا مثله "يتوفرون على السلاح الأبيض، سلاح العلم". وبعدها سيؤسسون ورشات عمالية ذات رأسمال مدعم من الدولة و بعدها ستنضم هذه المؤسسات شيئا فشيئا إلى البلد كله ... إذا كتب ماركس كل هذا فليس لوعيه بالمؤامرة بين لاسال وبسمارك ولكن لأنه كان متأكدا من اعتقاد لاسال في تخلف العمال. لقد كان لاسال ضحية سراب عصره  "ليس في العلم طبقية" وهذا ما دفعه إلى الاعتقاد وبشكل طبيعي في أنه يمثل "العلم والعامل" لأن العلم بالتأكيد متضمن في المثقف الزعيم. رفض ماركس بالضرورة هذه "الصبيانيات" وبما أنه رفض الفكرة البرجوازية القائلة بان الفترة المعاصرة هي فترة "العلم و الديموقراطية" فقد رفض النظرية المجردة "للعلم والعامل" بقوله العلم متضمن في الآلة وفي الواقع كما أن الديموقراطية متضمنة في البرلمان البرجوازي.
لقد كان لحلم لاسال في أن يكون زعيم العمال، لقاء مع أوهام البرجوازيين، وذلك ببقاء العمال في المعامل. وقع شرخ عميق نظري وتطبيقي بين لاسال وماركس ، أكبر من الشرخ الحاصل بين البرجوازيين الصغار والعمال. لقد أبان شعاع الفترة الفاصلة بين 1848 و 1861 عن بنية العلاقة بين العمال والمثقفين، مؤهلا لظهور النموذج البيروقراطي، وهذا قبل أن يتسلح البيروقراطيون بالسلطة. وعندما أماط برودون اللثام عن الفارق الحاصل بين البرجوازيين الصغار والعمال، قبل انطلاق الثورة، أبان لاسال من جهته عن النموذج البيروقراطي بعد الفشل الثوري. لقد كان نموذج اشتراكي الدولة هذا دليلا حيا على أنه بداخل الحركة الثورية ذاتها كان " الحل الثقافي الراديكالي" ينتظر الوقت المناسب لخنق المُنظر غير العارف بالطاقات الإبداعية للجماهير وكان لاسال رائدا لدولة البيروقراطي الاشتراكي المعاصر.
و من خلال هذا أصبح واضحا لنا كيف اعتبرنا أن المنظر الأول للحزب الطليعي "كاوتسكي" كان ينهل من نظرية لاسال. و حتى لينين كان يرجع إلى مفهوم كارل كاوتسكي الذي مفاده أن " الأداة الناقلة للعلم ليست البروليتاريا بل المثقفون البورجوازيون". و في هذه الفقرة المقتبسة من "ما العمل" يتحدث لينين مليا عن كاوتسكي منوها بمكانته :" إن الوعي الاشتراكي كان النتيجة الضرورية والمباشرة لنضال الطبقة البروليتارية إلا أن ذلك يظل خاطئا تماما ؛ فالاشتراكية كمذهب تتوفر بشكل جلي على جذور ضمن العلاقات الاقتصادية الحالية. و بنفس درجة النضال الطبقي لدى البروليتاريا ؛ تنهج هذه الأخيرة نضالا ضد الفقر والبؤس بين الجماهير المترتب عن النظام الرأسمالي بينما يكون قيام الاشتراكية والنضال الطبقي عملان متوازيان ولا ينتج أحدهما عن الآخر حيث أنهما ينشآن عن أسباب منطقية مختلفة. إن الوعي الاشتراكي اليوم لا يمكنه أن يبرز إلا من خلال قاعدة علمية معروفة ومتعمقة (...) إلا أن البروليتاريا ليست هي حامل العلم وإنما المثقفون البورجوازيون (كما يشير كارل كاوتسكي ) وذلك خصوصا بعقول مختلف أفراد هذه الفئة حيث ترعرعت الاشتراكية المعاصرة (...) كما أن الوعي الاشتراكي هو عنصر مستورد من الخارج في إطار النضال عند البروليتاريا  وليس ناتجا عنه بشكل تلقائي".             
هذه المفاهيم وجهت الصراع الذي خاضه لينين ضد الاقتصاديين الذين أرادوا حصر النضال البروليتاري في المطالب الاقتصادية أي في تشكيل النقابات. ويتفق كل من البلاشفة والمناشفة حول هذه النقطة. وبما أنه حصل بعد ذلك الانشقاق يمكننا أن نرجع ذلك إلى الاختلاف في الرأي حول مفهوم الانتماء إلى الحزب بين مارتوف ولينين. فبالنسبة إلى أحدهما تكفي "الموافقة" على مبادئ الحزب وبالنسبة إلى الآخر يكفي "الخضوع لقانون التنظيم المحلي ". غير أن وجهة نظر مارتوف قد وقع تبنيها على الرغم من اعتراضات لينين عندما حدث الانشقاق بين البلاشفة و المناشفة. يبدو إذن وبشكل واضح أن الأمر يتعلق بالنزوع و الهوس الزعاماتي للينين.
إن نظرة لينين إلى التنظيم تحتوي عنصرا لينينيا خصوصيا غير مستعار من الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني فيما يخص تعريف الانتماء إلى مجموعة ماركسية روسية. هذا الانتماء لا يمكن اختزاله في جملة واحدة " كل عضو هو كل من يضع نفسه تحت قانون التنظيم المحلي ".وقد أسند لينين دورا أساسيا للتنظيم المحلي فمسألة الخضوع لقانون تنظيم محلي ما يمر مسبقا قبل الانخراط الشفوي في النظرية الماركسية والدعاية للأطروحات الماركسية ثم الحصول على بطاقة العضوية. ومما لا شك فيه أن لينين كان يتوجب عليه اتخاذ رأي مغاير تماما لوجهة نظر الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني للتأكيد على تعريفه. ففي 1894 عندما تغلبت الماركسية على الشعبيين الروس كان الإنتاج الرأسمالي يؤطر العمال معبدا بذلك الطريق نحو الثورة البورجوازية و لم يتم تأطير المثقفين. إلا أن هؤلاء البورجوازيين الصغار هم بشكل أدق أكثر احتياجا للتأطير. وهذا لم يشكل أي مشكل سيكولوجي أو ذاتي لتنظيم بسيط. يؤكد لينين بشدة على أن المثقفين الماركسيين هم في حاجة إلى التأطير الإيديولوجي للبروليتاريين داخل التنظيم المحلي وأي خطأ لا يؤدي فحسب إلى تقاعسهم عن تأطير التنظيم المحلي فقط بل كذلك إلى التقاعس عن التأطير النظري  بخصوص المضمون الاقتصادي للثورة الروسية.
ومن البداية لا يتعلق الأمر بمسألة تنظيمية "بسيطة". ذلك باختصار هو ما أجاب به لينين المناشفة الذين اتهموه بالتصرف كديكتاتور في حين كان الجميع موحدين سياسيا. " أنا ليس لدي ما أفسره فأنتم بالأحرى الذين يجب عليكم أن تشرحوا لماذا وبعد التصويت على الحلول السياسية الأساسية لم تكونوا قادرين على تقبل النتائج على المستوى التنظيمي. فلا تسألوني عما حدث واسألوا أنفسكم . اسألوها من زاوية موضوعية وسياسية عما حصل في روسيا خلال هذا القرن. فالإنتاج الرأسمالي مهد أرضية الثورة البورجوازية بهذا البلد شبه الفيودالي و لكن البورجوازية بدت غير قادرة مطلقا على قلب النظام القيصري. أفلم تواجه البروليتاريا الروسية التي إذا افترضنا أنها " متخلفة " المهمة الأكثر ديمقراطية والأكثر ثورية في التاريخ ألا وهي الإطاحة بالنظام القيصري ؟ ألم يبين ذلك أن المضمون الاقتصادي للثورة في أحسن الأحوال يبقى رأسماليا وأن المنهج يظل دائما بروليتاريا ؟ ألم تكن هذه الازدواجية في المضمون والمنهج مسؤولة عن تخليكم نهائيا وإبعادكم عن المسؤوليات البروليتارية ؟ إنكم في حاجة إلى التأطير البروليتاري". ولم يتوقف لينين أبدا عن الإشارة إلى هذين الوجهين المتناقضين لكل من مضمون ومنهج الثورة. قبل 1905 لم تكن سوى نظرية و خلاصتها المتعلقة بأشكال التنظيم التي يمكنها أن تبدو غير عقلانية. لكن ما كان في 1903 سوى نظرية أصبحت واقعا في 1905  تم ابتكاره على يد قوة نشيطة في كامل تطورها الذاتي وهي البروليتاريا الروسية. فالطبقة العاملة الروسية لم تتأخر في الدخول فجأة إلى مسرح الأحداث مع إحداث السوفييتات هذه " التنظيمات الغريبة " لم تكن معروفة إلى ذلك الحين حيث لم يتصور ذلك أي من المنظرين على الرغم من القدرة الفكرية التي يمكن أن تميز بعضهم. هذه التنظيمات الغريبة التي لم تغط جميع التراب الروسي تمكنت من زعزعة أركان النظام القيصري.
و قد كان القرارات شديدة المركزة إلى درجة أن كل تململ من طرف فرد أو مجموعة في قبول القرارات المركزية كان يعد عصيانا و خيانة. و في ما يلي يعبر تروتسكي بكل وضوح عن هذا : "ليس كل العمال السوفييت قد فهموا أن إدارتنا قد جرت مركزتها و أن كل الأوامر التي تعطى من الأعلى يجب أن تكون نهائية و قاطعة ... لن نتسامح مع أولئك العمال السوفييت الذين لم يفهموا هذا بعد . سنطردهم و نخرجهم من صفوفنا و نقمعهم".
و ما يلفت الانتباه هو أن الاختلافات الإيديولوجية للاشتراكيين الديمقراطيين ( البلاشفة الجناح الراديكالي للاشتراكية الديمقراطية) التي لا يعتبرونها عائقا بل وسيلة لتفتح طريقا لانسجام متجدد ، كانت تتأسس على نزعات زعاماتية و حسابات منفعية و ليس لها علاقة باختلاف الأفكار أو التوجهات و لعل أكبر خلاف ذلك الذي طرفاه ستالين و تروتسكي و الذي يتواصل إلى الآن ، حتى أن العديد من سليلي البلاشفة يتبرآن من هذا أو من الآخر أو من كليهما و يعتزون بلينين إلى حد الإتباع الأعمى. و من خلال الفقرة التالية المقتبسة عن باول ماتيك سيتبين أن كل البلاشفة كانوا تعبيرة واحدة رغم الصور العديدة.
" للتمييز ( التفريق ) بين حاكم الماكينة و بين الماكينة من جهة , و بين الماكينة و الجماهير من جهة أخرى , يشير تروتسكي إلى أن الجماهير فقط و أكبر قادتها كانوا ثوريين حقا , و أن كلا من لينين و الجماهير الثورية قد تعرضا للخيانة فيما بعد من ماكينة ستالين التي جعلت نفسها مستقلة . رغم أن تروتسكي يحتاج إلى مثل هذا التمييز ليلبي مصالحه السياسية , فإنه لا يوجد أي أساس لهذا التمييز في الواقع . فحتى وفاته (لينين) – ما عدا بعض الملاحظات القليلة ضد مخاطر البقرطة و التي تعادل عند البلاشفة حملات السياسيين البرجوازيين الطارئة في سبيل موازنات متوازنة – لم يقف أبدا ضد ماكينة الحزب البلشفي و قيادتها أو بمعنى آخر ضد نفسه . و مهما كانت السياسة التي قُررت فقد لقيت مباركة لينين طالما كان على رأس تلك الماكينة و قد مات و هو مصر على هذا الموقف".
" إن أفكار لينين "الديمقراطية" ليست إلا أسطورة . صحيح أن رأسمالية الدولة تحت حكم لينين تختلف عن رأسمالية الدولة تحت حكم ستالين لأن القوى الديكتاتورية للأخيرة كانت أعظم – بسبب انشغال لينين في بناء قوته الخاصة . واقعة أن حكم لينين كان أقل إرهابا من حكم ستالين هذا شيء يبقى قابلا للنقاش . مثل ستالين , عد لينين كل ضحاياه تحت عنوان "معاد للثورة" . من دون مقارنة الإحصائيات عمن تعرض للتعذيب و القتل تحت كل من النظامين , سنقر بأن النظام البلشفي تحت حكم لينين و تروتسكي لم يكن قويا بما فيه الكفاية ليقوم بالإجراءات الستالينية مثل فرض "جمعنة" ( الزراعة ) و معسكرات العمل العبودي ( القسري ) كسياسة اقتصادية و سياسية رئيسية . لم يكن التصميم بل الضعف هو الذي أجبر لينين و تروتسكي على ما يسمى بالسياسة الاقتصادية الجديدة , أي على المساومة مع مصالح الملكية الخاصة و على الحديث أكثر عن الديمقراطية" .
لقد حذّر باكونين قبل زمن طويل من صعود البلاشفة للسلطة في روسيا من "البيروقراطية الحمراء" و اعتبر أنها ستشكل أسوأ الحكومات الإستبدادية. و قد كان هذا صحيحا تماما فقد أصبحت روسيا تحت حكم البلاشفة و من اليوم الأول أكبر جهاز للقمع و الإعدام. و قد كانت أكبر عدو للإشتراكية حيث قام لينين وتروتسكي بتدمير كل أشكال الإشتراكية الحرة و خربوا السوفييتات رغم استيلائهم على شعار "كل السلطة للسوفييت". حتى  أن تقبلهم لبعض التنظيمات غير البلشفية في الأيام الأولى من استيلائهم على السلطة لم يكن لميولهم "الديمقراطية" كما يؤكد تروتسكي بل كما يقول باول ماتيك " من العجز عن تدمير كل المنظمات غير البلشفية دفعة واحدة . فالصفات التوليتارية ( الشمولية ) لبلشفية لينين كانت تتراكم بنفس معدل نمو سيطرته و سلطته السياسية . أما أن هذه الصفات قد فرضت على البلاشفة بفعل النشاط "المعادي للثورة" للمنظمات العمالية غير البلشفية , كما يقول تروتسكي فإن هذا لا يمكن بالطبع أن يفسر زيادتها التالية بعد سحق المنظمات المختلفة التي لم تكن على توافق معهم . و لا يمكنها أيضا أن تشرح إصرار لينين على فرض المبدأ التوليتاري نفسه في المنظمات غير الروسية في الأممية الشيوعية" .

الأحد، 28 أبريل 2013

المعرفة


الحياة مرآة نرى فيها ذواتنا ، و هذا ما يفسر رغبتنا في الحياة حيث لا ينقطع تطلعنا فيها.

إن الشعور بالذات و المعرفة الذاتية معرفة و كل معرفة تقتضي وجود ذات و موضوع: ذات تعرف و موضوع للمعرفة. إذا لابد أن يوجد في الإنسان ذات عارفة و موضوع للمعرفة مختلف عن الذات ؛ أما الشعور الذي يكون عقلا فحسب فمستحيل و الذات العارفة قد عرفناها أما موضوع المعرفة فهو الإرادة : مشيئة و عزم و رغبة و رجاء و رهبة و يأس و بغض و حب، و على العموم كل ما ينتج عنه لذة أو ألم. لأن اللذة هي ما يوافق الإرادة و يلائمها و الألم هو ما يعارض الإرادة و دون تحقيق مقصدها و موضوعها. فمعرفة الإنسان لذاته و نفسه ليست من ذلك النوع الذي يستحيل معه الوصول إلى الشيء ذاته و إنما هي أعلى درجة من درجات المعرفة.


الخميس، 18 أبريل 2013

إدراك




إن إدراك حقيقة الذات التي نطمح إليها بوعي منا و بغير وعي و التي تنمو باتجاهها بشكل تدريجي تصاعدي إذا استطاع الإنسان التوصل إلى ضبط الفكر لن تكون له حدود و محددات لأن الأوهام و الرغبات و التحيزات و الأحكام هي التي تعوق النمو و تمنع عن إدراك الذات. و ما يظهر سوى حركة زوال كما تكون الإنعكاسات على الشاشة. هكذا بدون الإستنارة الروحية نعتبر الزائف حقيقيا و تنعكس أوهامنا الشخصية على العالم الحقيقي. 






الأربعاء، 17 أبريل 2013

تعاسة


إني أحس بالتعاسة في انكفائي و وحدتي و في عزوفي كما أني أحس بالتعاسة في اجتماعي بالناس و تشتد تعاستي أكثر حين يشتد التصاقي بهم. إن الحياة مضحكة حد البكاء. فهل أن طبيعة الحياة مدبَّرة و مقصودة لتعزّز شعورنا بأن لاشيء فيها يستحق جهود كفاحنا؟ و أن ما فيها من لذة و خير هو باطل و نزعات غرور؟ و أن العالم مصيره كارثيّ و الحياة عمل فاشل لا يغطي نفقاته؟


الثلاثاء، 16 أبريل 2013

اللّا سلطوية و التّنظيم






لا يتوانى الشيوعيون السلطويون عن نشر صورة زائفة تماثل تماما ما تردده الرأسمالية حول اللاسلطوية. حتى أنهم لا يكفون عن دعوة الأفراد اللاسلطويين للإنضمام إلى أحزابهم الشيوعية حتى يتعلموا الالتزام و الإنضباط .
لم تعد خافية علينا إدعاءاتهم الكاذبة خصوصا بعد إعتلاء كثير من الأحزاب الشيوعية سدة الحكم في كثير من البلدان، حيث طبّلوا كثيرا لنصر العمال في السيطرة على السلطة و ادّعوا أن خلاص الإنسان بات على مرمى حجر. و لكن بمرور السنوات تحولت تلك الدول إلى أنظمة للقمع المنظم و لإخضاع العمال في قالب دول بوليسية فاشية ، فأصبح العمال لا يملكون أي حق في" دولة العمال" و تزايد البؤس و الإستعباد و الإنحطاط و الإستغلال و حرموا من أي حق في التنظم و الإتحاد و ذلك إما بالإخضاع أو بزيادة أعداد الإداريين المكلفين بالتسيير أو لنقل المكلفين بمراقبة الأفعال حتى أضحت طبقة جديدة متنفذة و واسعة السلطة و الإمتيازات (البيروقراطية).                                        
كشف المناضلون الشيوعيون  اللاسلطويون الطبيعة الحقيقية للشيوعيين السلطويين ونبهوا منذ البداية لكون برنامجهم الوحيد هو الاستيلاء على السلطة و إنتزاعها من يد الجماهير ، رغم إيهامهم للناس بضرورة "دولة إنتقالية" يمسك بمقودها طليعيون يفكرون للطبقة العاملة و لابد لهذه الأخيرة أن تدين بالولاء بما أنها لا تمتلك درجة الوعي التي يمكن بها أن تتحرر من كل أشكال السلطة. و هذه "الدولة الإنتقالية" ستندثر بمرور الزمن. و كانوا يروجون أنها ليست إلا وسيلة نحو مجتمع بلا طبقات و لكن أصبحت مستقرًا لسيطرة طبقة جديدة في روسيا.                                 
و استمر معتنقوا العقيدة الجديدة (الماركسية اللينينية) في بث أوهامهم و مزاعمهم بكونهم وحدهم يتمسكون بفلسفة البروليتاريا و بأنهم قادة الثورة التي ستأتي و في كل لحظة لا يتوانون عن مهاجمة الحركة اللاسلطوية ونعتها باليطوبيا الخيالية دون تقديم أي نقد موضوعي.                         
و كثيرا ما يدّعي السلطويون أن اللّاسلطويين  ليس لهم بدائل بنيوية محددة. هذا ليس صحيحا بالمرة فلو حاول هؤلاء الإبتعاد عن الإختزال الذي أصبح رفيقا عزيزا عليهم و وجهوا نقدا موضوعيا بدل هجومهم الشرس على الأفراد لتبيّن لهم أن إدعاءهم كاذب.            
يدعو السلطويون الشيوعيون إلى حزب طليعي منفصل عن مصالح الجماهير.                 
قد يتساءلون حول هذا لذلك سنحاول الشرح، الأحزاب الشيوعية تدّعي أنها ضرورية لملء الهوة بين المثقفين والجماهير  و لكن في الحقيقة بينهما هوة كبيرة لا يمكن ملؤها بالملاسنة و النوايا الحسنة. و دائما ما  يرجعون إلى مفهوم كارل كاوتسكي الذي مفاده أن " الأداة الناقلة للعلم ليست البروليتاريا، بل المثقفون البورجوازيون ".ونعثر مرة أخرى على هذا المفهوم عندما يؤكدون بأن العمال أنفسهم لا يمكنهم سوى بلوغ الوعي النقابي، حينها يجب استيراد الاشتراكية "من الخارج ". ثم يوغلون في بورجوازيتهم حين يعتقدون أن قيام الإشتراكية و النضال الطبقي عملان متوازيان و لا ينتج أحدهما عن الآخر حيث أن الوعي الإشتراكي لا يمكن أن يبرز إلا من خلال قاعدة علمية معروفة.
                          
 نحن نعتبر أنفسنا جزء من الحركة الجماهيرية نساهم بكل الاشكال الممكنة في تطويرها وتطوير نشاطها الثوري وتنظيمها الذاتي اننا نقدم رؤية تنظيمية متلائمة مع الهدف اللاسلطوي ولا تتناقض معه.

هم يطرحون جملة مبادئ و برامج خاصة يريدون قولبة الحركة فيها. و يخلطون الوسائل بالغايات (التكتيكي بالإستراتيجي) و غالبا ما تطغى الوسائل على الغايات لتصبح بديلا لها.
        
نحن نرفض لا نخلط بين الغايات و الوسائل و لا نخلط بين النظرية و التطبيق و لأننا نعتمد على المنطق وحده و  رأينا واضح تماما : إن كل ما يتأسس على المنطق لا يمكن أن يخضع للنفعية
.
نحن لا نؤمن أبدا بحلول وسط فالنشاط العملي وحده يقربنا من المثالي و لكن لا يجب أن نهمل أيضا أن التحقق الثوري المفاجئ لهذا المثالي قائم بشدة. إذا كل إتهاماتكم مثل أنه لا يمكن للفرد أن يكون ثوريا إلا نظريا و الواقع يجبره أن يكون إصلاحيا مردودة عليكم. يجب أن نكون ثوريين في كل وقت و نرفض أن نورط أنفسنا في مجهول الديكتاتورية. و لذلك فنحن نرفض رفضا قاطعا الدخول في لعبة السياسة و البرلمانية لأننا نعلم بوثوق أن الإقتصاد هو المحرك الأساسي للنظام العام و أن حربنا الحقيقية هي مع رأس المال و لن نخوض أي حرب جانبية يكون هو صاحب المصلحة فيها. إن رؤيتنا واضحة و طريقنا محددة تماما ففي سبيل أن يقوم نظام جديد لابد من النشاط العملي الذي يقربنا من الاناركية. و مثال على ذلك إن إقامة نماذج جديدة لملكية الأراضي و استغلالها يقربنا من مجتمع خال من كل سلطة أكثر مما يدعيه البعض من أن ثورة سياسية قد تغير نظام.                
هم ينادون بالتأميم و بمركزة وسائل الإنتاج في يد الدولة.           
نحن ندعو إلى المشتركات الجماهيرية إذ بالنسبة لنا لا تعني الملكية الفردية (سواءا كانت بيد فرد أو بيد دولة) إلا ملكية رأسمالية مهما كانت التدبيرات حولها. و المشتركات تنتزع القدرة على إستعباد العمل.               
هم يدّعون الإنضباط و الإلتزام بالتنظم الحزبي و يتهموننا بالفوضى في غياب التنظيم.                        
نحن نؤمن بضرورة التنظيم و لكن نرفض بكل شدة مفاهيمهم حوله.                         
و هنا سنستعرض مفهومنا للتنظيم :                               
نحن مناضلون ثوريون إجتماعيون نهدف إلى طور لا دولتي يكون فيه الإتحاد التعاوني الطوعي الحر و الإدارة الذاتية المستقلة للحياة الإجتماعية و الإقتصادية الشكل العام للبناء التنظيمي لمجتمعات تنتفي فيها الفوارق الطبقية و كل أشكال المركزية  و تباح فيها الحرية الفردية. و لسنا نتوهم الغاية أو نقف خلف الحلم دون السعي و النضال الدائم من أجلها. و لذلك فرفضنا للإجماع حول فكرة لم يمنع تحلقنا في جماعات لا سلطوية تخلو من أي نزعة زعاماتية سواءا لفرد أو للجنة مركزية و تتقارب في عملها و رؤاها مهما يكن تعتمد على توافق رغبات الأعضاء في التعاون للنضال سويا و الإلتزام بمبدأ حق كل عضو في التعبير عن رؤيته بكل حرية. و تضع هذه الجماعات السياسات و خطط العمل و تؤدي وظائفها بارتباط بالنظرية اللاسلطوية و الممارسة الاجتماعية و تنخرط انخراطا لا مشروطا في الصراعات الطبقية الاجتماعية من أجل إسقاط النظام الرأسمالي و كل شكل من أشكال السلطة.                        
و لأن هذه الجماعات ستكون منتشرة و متباعدة جغرافيا و النضال يتطلب الإطلاع التام على الوضع العام فيجب البحث عن آليات للتنسيق في ما بينها و لا يجب أن نسقط في خطئ تشكيلها فوقيا مهما يكن. و تتشكل هذه التنسيقيات بالأساس من عناصر منتخبة أو مفوضة حيث أن كل قرار لابد أن يتخذ عبر نقاش لاسلطوي بين كل الأعضاء تُحترم فيه كل الآراء و تعطى نفس الوزن و الاعتبار و تتخذ القرارات بالأغلبية مع احترام الأقلية المخالفة .                                   
و يجب أن لا نسقط أبدا في خطئ إعطاء مجموعة أو فرد الحق في التفكير و إصدار الأوامر مثلما ننفي نفيا قطعيا عن أنفسنا أية نية للتفكير عوض الرفاق أو الجماهير.                            
كل ما نحتاج إليه هو تنسيق أعمال المجموعات و في الظروف التي تتطلب اتخاذ قرار عاجل فليس ضروريا انتظار جمع كل الرفاق و فالاقتصار على حلقة أصغر يكفي و يجب أن لا تكون هذه الحلقة مشكلة قبلا أو لها صلاحية فوق أو خارج إطار المجموعة.        
نحن نرفض بشدة أي شكل من أشكال مركزة القرار فنحن نشكل جماعات حرة وفق شروط الاحتياج العام و لا نخاف أبدا انقسام مجموعاتنا في حال وصلت إلى حد الضخامة بحيث يصعب معها ممارسة النقاش و التصويت المباشر في هذه الحالة يصبح تقسيم المجموعة الضخمة إلى مجموعتين أو أكثر ضامنا لممارسة النقاش لكل عضو.                                          
و في الأخير يجب الإشارة إلى أن شكل التنظيم يجب أن يكون مرنا و البنية التنظيمية لا يجب أن تكون ظاهرة أصلا و لكن في الظروف القصوى (مثل القمع السياسي ، القمع الأمني ، ...) يجب أن يكون التنظيم محكما بشدة.                                     
إننا نقدم بنية تنظيمية مرنة تتناسب مع فلسفة الثورة  و بالتطبيق العملي تكون أكثر صلابة من أي تنظيم آخر و أكثر مساواتية و واقعية و استجابة لتطلعات الجماهير.                               
لسنا مقيدين بأي فكرة أو نظرية واحدة .                         
لسنا إيديولوجيين و لا نطوف حول أي صنم.                    
لسنا مروضين بالخوف من السلطة.                              
ندعو إلى أممية تنسيقية تهدف إلى تحويل الأرض إلى تشاركية تغير العالم و تنهي المشاكل الاجتماعية التي يعاني منها البشر.           
ننادي بالتعامل الواسع مع الإبداع و التجريب و الإرتقاء لنجيب واقعيا على متطلبات الواقع.           
ننادي للاتفاق جميعا لنفتك عالما نكسبه يكون فيه التطور الحر للفرد شرط التطور الحر للجميع.            



الأحد، 14 أبريل 2013

عيد ميلادي


في عيد ميلادي الذي يأتي مرة أخرى في نفس اليوم 15 أفريل، أبعث لك بشيء غير مألوف يا صديقتي ، هو وعد أن لا أطلق الرصاص على نفسي.
في عيد ميلادي الذي يأتي مرّا كل سنة ، لمرّة واحدة سأحاول الإنتحار فالتصوّر يختلف عن التجربة و لأتمعن جيدا بمعنى الموت لأني صديقي الجبّار يقول إنه كالوردة.
في عيد ميلادي الذي يأتي في غفلة فأبكي لوحدي لأحسّ أني موجود و بدموعي يدخل الفرح إلى شرفات القلوب.

غير حزين البتة يا صديقتي فوجهي بصمة الغرابة و الهواء النشيط يجعلني أضحك بطريقة خاصة و أعبّر بحيرة عمّا أراه بوضوح. أيضا , لست فرحا يا صديقتي لأنني أعرف من أنا و أفكّر بشكل مثير لم يعتادوه في حياتهم ، لا العشّاق و لا السياسيون و لا العمال...
بالمساء أسافر مشيا مستقرئا عواء الكلاب و حفيف الأشجار و صرير الرّياح و فحيح الموتى و نقيق الآلهة. و تحت الشّمس أتذكّرك مع بسنادا و أزرع في ساقي الأرض أطفالا أقوياء يقرؤون المستقبل بواقعية النار القوية و يتناقشون عن الماضي بحماس أخّاذ. و يأكلون الثلوج بنهم كما نمضغ نحن التعب.
تعاستي تتجاوز المرئي و آلامي مبهمة كالقصائد و سعادتي ستكون حين تقرئين هذه الأنقاض و تواجهيني عند أي زيارة كالرعد.  



الرقص




إلى الضياع و التشرد، إلى النوم على الأرصفة... 
الى التي أتتني بين الرمادي و الموت فملأت الحياة ألوانا...

أنظري في عيني و اقرئي وجهي و المسي البحر من قلبي... أرسمي شكلي على السواعد الكبيرة... إني ولد غير شرعي لهذا الواقع. ولدت من رحم معقم بالدم و أول ما شاهدته التيه و البحر... و أول شيء تعلمته الرقص. كان الرقص الشكل الجاهز للصلاة و التيه التعبير الصلب علن الإستغلال و الرفاهية و البحر القرين للحياة.
من عتبة المرأة الحنون أتيت غاضبا و رأيت الضوء بعدها في صورة أمي لما كانت تبكي كثيرا في الليل و تعلمت الحب من جدتي حين كانت تبتسم و لا مكان للفرح في قلبها. ثم انتشر الضوء فيَ كقنبلة و بقيت إلى الآن مطاردا للحب لأمتلك الخوف و أفهم ما يقوله الآخرون.
إمتهنت النبوة... تعلمت السرقة... مارست الكتابة... و عهرت الإحتجاج... ثم نظمت العديد من المظاهرات... لكن أخيرا إقتنعت بعدالة الإبتسامة و رعشة الفرح و تفاهة القوة ... فأقلعت عن الفوضى لأبقى طفلا و أسائل من أريد حول ما أشتهي فالقلب الكبير لا يسأم أبدا رغم دخول غير قليل من الألم فيه...
لذا أطالبك أن تنظري إلى عيني لتري مدى صدقي. لأن حياتنا يجب أن تُنقش دون أن تُحفظ ... يجب أن تُغنى دون أن تُكتب أو تُفلسف كالموسيقى ... و علينا أن نحب ما نراه و نذهب أيام الآحاد الحزينة إلى البحر لتذهب خطايا الأسبوع و نعاود الحب و الرقص و الولادة من جديد.

الأحد، 7 أبريل 2013

الإشتراكية الديمقراطية و الجماهير


لا يكف أدعياء الاشتراكية الديمقراطية عن مهاجمتنا و إدعاء أننا أضعف من أن نحقق أي انتصار في اتجاه الغاية السامية. و لا يكفون عن اتهام الجماهير بالعطالة عن التفكير و عدم نضوجهم لتحمل مسؤولية تسيير شؤونهم و أعمالهم. و في ذات الوقت يعتبرون أنفسهم السبيل الوحيد للمنّ على مجموعة الجاهلين بالحرية و الخلاص. إن ما لا نفهمه حقيقة هو كيف يظن هؤلاء الأدعياء أن الجماهير الراضية بتسلط رأس المال و غير القابلة لأفكار الحرية من ناحية ستكون نفسها التي ستصوت لصالح الاشتراكيين الديمقراطيين في أي استحقاق انتخابي من ناحية أخرى ؟ و من جانب آخر يدّعي هؤلاء سيطرتهم على الجماهير و قدرتهم على استنهاضها من أجل الانتفاض لدحر الطغاة الجدد.  و لكن لا نفهم أيضا خوف الاشتراكيين الديمقراطيين من أي خطاب تحريضي أو تصعيد في المواقف رغم الفرص العديدة التي أتيحت على أرض الواقع حسب اعتقادنا. هو الخوف ينتابهم من مجرد التفكير في أن الجماهير قد تتخلى عنهم مثلما فعلت في انتخابات اللجنة التأسيسية.
إن الجماهير أثبتت في عديد الأحيان جدارتها و تفوقها الإبداعي على كلّ الذين يدّعون التميّز الفكري و العملي حتى أن هؤلاء المدّعين قد كانوا سبب الفشل في أعظم فرصة أتيحت لخلخلة النظام و حتى هدمه بالكامل. و هذا أيضا عائد لضعف تمرّس الجماهير التي وقع التلاعب بها في غياب شبه تام للتنسيق بينها و محاولة الارتقاء بمطالبها للسقف و التمسك بها حتى النصر.
إن الجماهير المضطهدة لا يمكن إحصاء أعدادها و لا يمكن قياس مدى الظلم الذي تتعرض له. إن العمال الذين تأكل الآلات أيديهم و الفلاحين الذين تمتص الحقول عرقهم و المعطّلين عن العمل الذين يحاصر الجفاف أسنانهم لا يجدون ما يقتاتون و ما يعيلون به عائلاتهم في حين يأكل الطفيليون و السارقون حتى التخمة.
إن الجماهير المضطهدة التي لا تُحصى قد صمّت آذانها أصوات محركات آلات العمل و سممت هوائهم مداخن المصانع التي تظلل على مساكنهم البالية. و دبغت الزرقة على جلودهم و وجوهم من شدة التعذيب و طول ساعات العمل و قسوة مراقبيهم.
إن الجنود الذين تشققت أقدامهم و وهنت أجسادهم من شدة الوقوف ليحصل ظباطهم على الإحترام و التقدير و المكافئة هم أيضا من الجماهير المضطهدة.
إن أعوان البوليس الذين يقادون بالأوامر حتى يمارسوا كل أشكال العنف حدّ إطلاق الرصاص و "الرش" على أشقائهم هم أيضا من الجماهير المضطهدة.
هل تعلمون الآن أعدادنا التي لا تُحصى ؟ هل تعرفون الآن أننا قادرون على شق طريقنا إلى النصر ؟
لماذا حين نقف أمام أحلامكم السلطوية تكشرون عن أنيابكم و الرعب يغطى وجوهكم ؟ لماذا حين نعلن الخروج عن الطاعة تتهموننا " بالعقوق " و بضرورة احترام " أمنا الدولة "  ؟؟؟
إنكم تقفون مع الرجعيين و الليبراليين الديمقراطيين أمامنا جميعا : عمال و فلاحين و معطلين و عساكر و بوليس ... إننا نعاني و نهان في كل لحظة من غطرستكم و نزوعكم السلطوي المريض و إغراقكم في تقديسكم للدولة. إنكم تقفون بأعدادكم القليلة فوق رقابنا و لكن لا تظنوا أننا خاضعون. إنكم كمن يقف فوق فوهة بركان ناشط سينفجر في لحظة و تجرف حممه كل الطغاة.

الأربعاء، 3 أبريل 2013

الأناركية و الليبرالية


لا يتوانى معتنقوا العقائد المختلفة و خصوصا ذوي النزعات الشوفينية و الفاشية في مهاجمة اللّاسلطوية دون تقديم أي نقد موضوعي. و تُختزل هجوماتهم على مجموعة من الأوهام و المزاعم و لا يجدون أكثر من نعتها "بالطوباوية" و في الآن نفسه يحن فريق منهم إلى "مجتمع محمد رسول الإسلام و خلفائه" و فريق "يحلم بوحدة قومية من خلال فوز سياسي" و فريق آخر "يردد أنه  سيحقق إشتراكية عبر معجزة برلمانية".
أما المجموعات الليبرالية التي تنظر للمشاركة البرلمانية فتتجنب دائما القيام بنقد مباشر للّاسلطوية ، لأنها تعرف تمام المعرفة أنها لو تقوم بذلك فإنها ستهدد أو لنقل ستهدم أسطورة الديمقراطية الليبرالية. و لذلك فهي تستعمل دعايتها الهائلة و الشديدة الاتقان لتشويه الاناركية و تزييفها حتى أنها تصورها مساوية لكل المجموعات التي لها امتدادات لتيارات إديولوجية ماركسية متجاهلة هجومات تلك المجموعات السلطوية على الأناركية و تتمادى إلى أكثر من ذلك  حيث تشن هجوما عنيفا في بعض الأحيان فتصور الأناركية على أنها أشد وحشية و عنفا و تطرفا من الستالينية و الماوية و حتى الفاشية.
حتى الديمقراطية الليبرالية إذن لا توجه نقدا موضوعيا و السرّ وراء كل هذا ليس مخفيا فالنزعات السلطوية المرضية هي محرّك كل هذا العداء.
و حيث أننا فسرنا في نصوص سابقة أسباب هذا العداء خصوصا عند "الماركسية اللينينية" فإننا في ما يلي سنحاول كشف أسباب الديمقراطية الليبرالية.
فكغيرها من السلطويين لا تملك الديمقراطية الليبرالية أي أسباب موضوعية للدفاع عن موقفها المعادي للأفكار الأناركية. و لكنها تختلف عن غيرها حيث تستخدم جملة الأفكار اللاسلطوية للدفاع عن الحرية و قد تعترف أحيانا (بل كثيرا ما تعترف) أن الشكل البرلماني ليس ديمقراطيا أصلا و تسعى جاهدة لإيجاد سبل أكثر ديمقراطية بالنسبة لها، فتارة تنادي "بالديمقراطية المباشرة" أي البناء من أسفل إلى أعلى (حسب فهمهم طبعا) و تارة بانتخاب أفراد و ليس قوائم ... و لكن كل السبل لا تعدو أن تكون إلا غطاءا لديكتاتورية "الديمقراطية البرلمانية" فمهما تكن هذه العملية نزيهة و نظيفة فهي في الأخير تعطي لأقلية الحق في حكم الأغلبية و ستقف هذه الأقلية مدافعا شرسا عن القوانين و الحقوق الدستورية التي ليست أكثر من قيود و جدران حول الحرية.
كما أن الليبراليين يرفعون شعار تحرير الاقتصاد و العمل و يعترضون على أي تدخل للدولة و لكن في الحقيقة من يسيطر على الاقتصاد هم الاحتكاريون من الشركات العملاقة أو الدولة. و يتحدثون عن المبادرة الحرة و المنافسة و في نفس الوقت يضعون شروطا و قيودا لكل شيء. للحرية التي منها اسمهم يبنون ألف جدار فلو حاول أي فرد أن يستعمل في تعاملاته عملة يختارها بنفسه فستظهر أصولهم المحافظة بشراسة. لقد أشرت للحرية الفردية في اختيار العملة لأن ذلك يحيل إلى إمكانية وجود الاشتراكية الحرة لو يختار البعض التعامل بالتبادل و المقايضة التي تعكس قيم العمل الفعلية. و هنا سيقع تنافس حر بينها و بين الرأسمالية و سينتهي بتدمير الرأسمالية و زوالها. فلو يتوفر للاشتراكية الحرة مجال حرٌّ من سيبقى راضيا باستغلاله ؟؟؟ لهذا السبب بالذات تتعرى الديمقراطية الليبرالية حتى تظهر أفكارها المحافظة أكثر من المحافظين فتراها معارضة شرسة للاشتراكية السلطوية "إشتراكية الدولة" ( ليس لهذا علاقة بدعاية المعسكر الشرقي و الصين و كوبا من أنها دول اشتراكية) كما تجرّم أي نزعة إشتراكية لادولتية أو تكبلها بالقوانين المجحفة. و هنا لا نفهم لماذا يصرّون على إرغام الجميع على أن يحبوا الدولة ؟ الأناركيون لا يحبون الدولة و الأناركية لا يمكن أن تكون غير قانونية لأنه بكل بساطة لا يمكن لأي قانون أن يجبر الناس على حب الدولة  حتى و إن أوغلتم في زيفكم و ريائكم مثل وصف الدولة بالوطن.
إذن الديمقراطية الليبرالية لا تعتمد في هجومها على الأناركية إلا على ما يسوقه الفاشيون و الشوفينيون من افتراءات غير موضوعية و نادرا ما تقدم نقدا مباشرا و هذا سببه سلطوي بالأساس و هذا راجع للطبيعة التسلطية لهؤلاء المحافظين الذين يستخدمون إسم الليبرالية ليكذبوا حول انفتاحهم على الحرية أكثر من الاشتراكيين، و لكن همّهم الأساسي هو منع الدولة من أن تحشر أنفها في شؤونهم. فكلما توسعت قاعدة اللاسلطويون و كلما انتفضت الجماهير من أجل العدالة الاجتماعية و الحرية حتى ينكشف لونهم المحافظ جدّا.
إن حجج هؤلاء ضد ما أسميه بكل حذر "شيوعية الدولة" قد تكون تحررية  و لكن حججهم ضد اللاسلطوية تسلطية و تكشف حقيقتهم.