الأحد، 26 مايو 2013

الجسد الغائب (4)


ارتمى بلطف بجانب جدته التي تستلقي فوق قطعة بالية من جلد حيوان و وضع رأسه في حضنها و انطلق يمارس طقس العبادة . كل شيءٍ فيها كان يذكره بشجرة البطوم المنتصبة في فناء بيتهم الواسع. طولها الفارع  ووقفتها المستقيمة رغم شيخوختها .لم يكن يلمس في جدته أي جماليات، كان يراها قبيحة جداً مثل الغوريلا و شفتاها غليظتان و رأسها كبير يصلح للجلوس دون أي متاعب. أشهر شيءٍ قبيحٍ فيها أنفها الأفطس. عندما تسمع تعليقاً عن فطاسة أنفها كانت تقول دون أيّ جهدٍ في التفكير:
-         يكفي أنني اتنفس به.
كان يرى الأفق عبر ثقب أذنها الهائل الذي أخذ مساحةً كبيرةً من حلمة الأذن. أما عيناها فكانتا حمراوتان تجثم فوقهما جفونَ منتفخة تُقيم دليلا على مقدرة فائقة في تحمل الألم.
تذكر ذلك اليوم حين ذهبت تقضي حاجتها في العراء و عندما عادت تحك كعبها الذي أخذ يتورم شيئاً فشيئاً دون أن يبدو عليها الألم. سألها في براءةٍ عما بها فقالت :
-         يبدو أن أفعى لدغتني.
ثم أخذت مشرطاً وفصدت اللدغة كأنها تفصد شخصاً آخر أو كأن المشرط يصنع أخاديده المؤلمة في جسم غير جسمها. ازداد اضطراباً حين تذكر رؤية لدم أسود يخرج من تلك الأخاديد ليصنع بركةً سوداء... بركة بلون سمّ ودم...  ثم أخذت ترياقاً مثل حجرٍ أبيض اللون و سحقته بقسوة ثم أخذت تملأ تلك الأخاديد بالحجارة الصغيرة ذات الأثر الحارق في الجروح... لقد تذكر كل ذلك و هو يحاول البحث عن أثرٍ للألم بين خلجاتها.
ربّتت بيديها الغليظتين على ظهر القنفد الصغير المنكمش في حضنها فازداد انكماشاً و وضع ذراعيه حول رقبتها كأنه يمنعها من الهرب.
كان البيت يرتجف بفعل الريح والباب يحدث صريرا مؤلما. فازدحمت في أنفه روائح الروث و الخوف و رائحة جدته... كانا في كل هذا الصخب عائلةَ تتكون من جدة وحفيد. توفيت أمه و هي تلده و أبوه قبل ذلك بيومين صعد الجبل. و أما جدّه فقد أعدم رميا بالرصاص في حقل عندما قتل أحد حرس الدرك الفرنسيين ممزقاً جسده لأنه صفعه.
بقي مع جدته منذ عمر يوم. و أرضعته حتى الخامسة من عمره. كان ثدياها يحويان لبنا طازجا ذي طعمٍ غير مفهوم و لكنه جميل. لقد كان يرضع قبل الذهاب خلف الخراف أو للعب و بعد أن يعود لا يشتاق إلا لصدر جدته.
كان في الثامنة من عمره حين عاد من المدرسة ذات يومٍ و لم يجدها في البيت. ناداها مراتٍ كثيرة. و لكنها لم تجبه. أعماه إدمانه عن رؤية أي شيء منها فناداها بأعلى صوته بل بصراخ مدوّي. و بعد فزع شديد ردّت عليه بصوت غير صوتها من خلف الحظيرة التي تسكنها البقرة و الدموع واقفةَ على جفونها و هي تقول:
-         إني هنا يا حسن.
 كان صوتها مخنوقا بالعبرة و الغضب و لم تكن ترتدي أي شيء سوى جزءٍ ضئيلٍ من ملابسها. طار مفزوعا إليها. فرأى البقرة مستلقية بجسدها الهزيل من تعب الأعوام و عيناها دائرتان و فمها مفتوح يعض لسانها. كان عنقها ملفوفا بملابس جدته.  
كان يوما عصيبا و لأول مرة يكاد يرى دموع جدته. لم ينم الليل و كان يشعر بالرغبة في التّعرّي و البكاء. و كانت جدته ذلك اليوم تتكلم مع الموتى فتقول لأمه :
-         " يا حليمة يا ابنتي لولا خوفك من الولادة و ربطك للولادة بالموت لما مت ".
و تقول لجدّه:
-         "أنت يا حسن لقد قتلك التحدي رغم خوفك ".
أما للبقرة فقد كان تقول:
-         " لقد قتلك الجوع ".
ثم تلتفت إليه قائلة و قد التوى صوتها في الحديث و عيونها أكثر احمراراً و جفونها متورمة لدرجة الانفجار وهي تحرك لسانها بقلق خلف شفتها المترهلة:
-          أتعلم قصة موت جدك؟
فيقول :
-         لا يا جدتي.
رغم أنه يعرف القصة و يحفظها عن ظهر قلب إلا أنّ رده لا يعني لها شيئاً سواء كان بلا أو نعم لأنها كانت ستسرد له القصة في كلتا الحالتين...
ثقل لسانها و أخذت الكلمات تخرج ملتويةً و مقطوعة. كان يسمعها كأنها محشورة في قُلّة كبيرة فيخرج صوتها بعيداً... قوياً...  و مشوشاً:
" لقد قتل جدك أحد الجندرمة الفرنسيين حين كان يعمل في معسكر أعمال شاقة إجباري. فحكمت عليه المحكمة بالإعدام و هو لا يدري ذلك. كُتب الحكم في ورقة... و كان عليه أن يقطع مسافة كبيرة لتنفيذ الحكم في مكانِ آخر.  كان جدّك الغبي سعيداً لأنهم لم يقتلوه بل أعطوه ورقة و قالوا له اذهب سوف يلقاك أناس هناك في زاوية من الحقل أعطهم هذه الورقة. حمل الرسالة وقد حشرها في جيب سترته و تركها تنام فوق قلبه وهو لا يدري أنها رصاصة موته. و عندما وصل ربطه جندي إلى سارية و أطلق عليه الرصاص. مات و الدهشة مرتسمة على و جهه الغبيَ..."
ثم أخذت تضحك في هستيريا و تعيد القصة مرة أخرى بعد السؤال ذاته و بعد دهر من الكلمات و الجمل الملتوية... ثم تباعد بين الجمل... و تباعد بين الكلمات... و تباعد بين الحروف... ثم تصمت و  تأخذ انفاسها الثقيلة في شخير مزعج يضج في انحاء البيت بعد أن تبكي في سرّها على موتاها بنفس هستيريا ضحكها و لا تنحدر الدموع على صدرها .
يقترب من جدته التي نامت ملقية أطرافها في كل مكان. حتى السماء لن تفلح في تغطية شيء من جسمها الممدد على أرضية الغرفة العميقة... و يتناول ثديها و يشرع في ممارسة رضاعته في نهم محموم. عندما يمس حلمتها للوهلة الأولى يتذوق طعماً مالحاً ، طعم دموعها. رغم قبحها لم يكن يتقزز منها فهو يحبها.
يستمر في تلك الحالة و هو يسمع صوت الرعد بالخارج و أمطار غزيرة تضرب السقف في إصرارٍ ثائر. يتجاهل كل هذا الصخب... صخب الطبيعة المفاجئة... ليعيش عالمه... عالم يتكون من بحيرة في حجم شجرة البطوم. بحيرة غزتها الشيخوخة فنضبت و ترهلت حتى وصلت السرة.
ذات يوم و هو يسير خلفها في طريقه لجلب الماء من العين. و هما يتخذان شريطاً من الطريق الذي صنعته أقدام البشر بين الحشائش التي تغطي نصفه الأسفل. كانت تضع قلةً كبيرةً سوداء على رأسها ممسكة بها بيدها
اليسرى فيظهر ابطها الأحمر الذي احترق بالعرق. و هو يرى الأفق عبر ثقب أذنها و يعد خطوط الشيخوخة
التي أصبحت واضحة في مشيتها السريعة المتعثرة. و في ترهل بطنها و ثدييها اللذان عندما يصطدمان بالبطن
يصدران صوتاً كالتصفيق في حالتي المشي و الرقص...
كانت كغير عادتها هائمة صامتة. و كان يحاول اللحاق بها بين حين و آخر بهرولة خفيفة. و فجأة توقفت لأنَ هناك أفعى ملونة ترفرف حولها فراشاتَ تحمل ذات الألوان الطفيفة. اندهش لذلك و قال مازحا :
-         منذ متى تقف جدتي لرؤيتها أفعى؟
قالت بعد أن تنهدت بعمقٍ ولأول مرة يلمح خوفاً مخلوطاً بالحزن قد جثم على أخاديد و جهها الكثيرة و العميقة:
-         هذه الأفعى نذير شؤم...
تابعا سيرهما دون أن يتحدثا. قالت جدته بعد أن فقدت الأمل في أن يتحدث:
-         أتعلم أني رأيت جدك قبل أيام؟
قال:
-         في الحلم؟
قالت:
-         لا... بل في الواقع...
قال:
-         و لكن يا جدتي جدي قد مات كيف ترينه مرة أخرى؟
قالت:
-         رأيته في صورة أفعى...
ضحك و لكنه سرعان ما صمت عندما رأى الجدية على وجهها و قال:
-         وكيف عرفتِ أنه جدي؟
قالت:
-         من تلك العرجة التي كان مشهوراً بها و صفات أخرى أعرفها أنا فقط ... عرفت أننا لا نموت بل نتحول إلي أشياء أخرى تحمل الصفات التي كنا عليها... نتحول و لكن دون ذاكرة فجدك لا يذكرني عندما تحول إلى أفعى...
قال:
-         و ماذا تريدين أن تكوني جدتي بعد عمر طويل؟
قالت:
-         لا أدري إلي ماذا سأتحول و لكني أتمنى أن أتحول إلي نسر.
و منذ ذلك الحين و علاقته بالنسور قوية. كلما يلمح واحداً يتأمله في تحليقه عسى أن يجد بعض صفات جدته... ثدياً هائلا .. عيوناً حمراء .. جفوناً منتفخة .. أو لبناً بطعم الملح...


الجسد الغائب (3)


 وقف ينظر إلى المدينة التي يحقد عليها ، مازال يتذكر أنها سبب نقمته.  لطالما ذرع شوارعها الباهتة حتى يستسلم للتعب فيأوي إلى حديقة أو مقهى عصبي المزاج. و لكن نظراته الواثقة المتحمسة تملأه بالاندفاع و تغطي حزن قلبه و تخفي ملامح ظاهره الحادة و القاسية و تحفز طموحه و آماله و تطلق جناحي خياله في أجواء المستقبل فينبسط و تستيقظ الارادة الكامنة في روحه فيدب النشاط إلى قدميه ليعاود النهوض من جديد.                  
يستمر في الرحلة يذرع الطرقات و يصعد إلى البنايات العالية و يدق جميع الابواب. و لكن الحياة تعاند الارادة و التعب يغلب العزم و كثيرا ما ينقلب الهدف إلى خصم. و هو لا ينثني و لا يكف عن اقتحام السير حتى عبر الطرقات الخالية من أي حجاب لحرارة الشمس الحارقة. و حين تصمت الخطوات ينصب لها مرآة بألف صيف.                         
على مقربة من الغرفة التي كان يسكنها في ذلك الحي الذي ينتصب معاندا الجحيم يقبع في آخر زاوية من الشارع مقهى صغير يلوذ فيه كلما أسدل الليل ستاره ليحتسي قهوته السوداء المرة مع رجال الحي الذين وهنت قوى خياراتهم في العيش. يتحلقون حول الطاولات مشرعين بأيديهم كأنهم يقنعونها بالتحليق و لكن عيونهم جاحظة كأنهم لا يعرفون من حولهم. و يظلون جالسين فاقدين كل شيء لا يمتلكون بإفراط إلا الشقاء و البؤس. يتسارعون في احتساء أكواب الشاي و فناجين القهوة كأنهم يكفرون عن خطايا التعب.          
دخل ذلك اليوم إلى المقهى و سار بين الطاولات كأنه يسير بين أنقاض انفجار و أشلاء ممزقة عن أجسادها. جلس إلى طاولة في ركن مخفيّ قليلا و أشار للنادل فأتاه بفنجان قهوة و وضعه أمامه. أشعل عقب سيجارة رخيصة و أخذ يرتشف و ينفث الدخان صامتا و قد تملكه الغيظ لأنه يحس بفشله في تمثيل دوره في الحياة.
انتبه صاحب المقهى إلى حسن فرآه على غير العادة متجهما فمشى نحوه و سأله :                                          
 - لماذا هذا الحزن يا حسن ؟                                     
 صمت صمتا ميتا ثم تنهد و أجاب :                                
- الحزن ليس له فم يا "عم علي".                                 
 مد يده إلى جيب في سترته و أخرج علبة سجائر و ألقاها أمام حسن و قال :                                   
- الصبر يا بني يعلم التنعم بالابتلاء. و القلب الكبير يخبئ الحزن و يمقت الشكوى.
أشعل سيجارة و مد أخرى لحسن و أردف يقول :               
- لم أر من قبل مثل هذا التجهم و السكوت يسود حولك.      
و تغيرت نبرته و بان عليه الطرب هو يقول :                    
- "الندى يتساقط على العشب في أشد أوقات الليل سكوتا".   
بلغت الكلمات مسامعه و هو ينفث الدخان ساكنا فأطربته و حركت رأسه و يديه.  فتح شفتيه ليتكلم لكن جاءت كلماته صامتة. أحس بقشعريرة تبدد الحزن الذي يسري في روحه و تسارعت دقات قلبه و نظر في عيني "عم علي" فأجابه قائلا :               
- لقد بلغ السرور بي مبلغا كبيرا اليوم و لا أريد أن يعكر صفوه حزن عينيك. فإني أحمل البشرى لك يا بني ، لقد ذهبت إلى مكتب السيد رؤوف و حدثته عنك و قد وعدني بأن تبدأ العمل معه بداية الاسبوع القادم. هز السرور حسن و انتفض واقفا كأنه كان مقيدا و التهب قلبه بالمحبة و ارتمى على "عم علي" يقبله . ثم عاد إلى الكرسي و هو لا يملك القوة على خفض ارتعاشه فابتسم "عم علي" و مد يده إلى محفظته و أخرج منها بطاقة و ورقة من النقود و أعطاها لحسن و استدار و انصرف. 
تغيرت ملامح حسن و أشعت عيناه فرحا فأخيرا سيمتلك الحق في تسيير حياته و سيهجر عالم الضياع فلا صلة له بالتعب بعد اليوم و ستبدأ رحلة الانطلاق في بداية جديدة و سيصاحبه الإحساس بالزمن في مشواره. لقد تملّكه شوق عظيم و أحس نفسه امتلأت فرحا و أناشيد و بشائر و كل شيء فيه يتوق للشفاء من العطالة.
ثقل جفنه من هول ما حدق في الصور المعربدة التي تتجول في رأسه ما بين السماء و الفضاء و أطلق ابتسامة ساخرة مليئة بالاحتقار و تمتم بكلمات و هو يمد يديه لجناحي النافذة ليغلقها و دار نحو السرير و استلقى فوقه و استسلم للنوم.                 
انبثق الصباح الجديد فأفاق حسن بنشاط و دار في البيت يغتسل و يسخن بعض الطعام و روحه تلعن الاعتياد فكلُّ شيء صار صغيرا في هذا العالم. الساحات و الشوارع و المباني و البحيرات صارت أصغر و بوابات الحلم و خطوط الانطلاق و المحيطات و الفضاءات صارت أصغر. و استدعت تلك اللحظة دموعه التي حبسها داخل روحه فقد أدرك أن اللاشيء و التناقض لطالما ظلّلاه و آل على نفسه أن ينزل إلى شروط الواقع فجل ما يخشاه بعد موته أن يكون الشاهد الوحيد على بشاعة نهايته .            
بدّل ملابسه و وقف أمام المرآة ليرتب شعره لأول مرة منذ زمن بعيد ففاجأه شيخ ينتصب بوجهه رافعا يديه يحذّره من التقدّم. و انطلق يردد :                                                       
"ما الذي يضطرك إلى السقوط في خبث واقع بلا معنى فلن تظفر فيه بشيء بل ستفقد كل شيء . أعرض عنه فقد بناه قوم بظلام وجوههم و جفاف عواطفهم و تعالي تركيباتهم النفسية حتّى صار مزيجا مائعا من أخبث الأفكار. امتهنوا التجارة الرخيصة و الطاعة و المحاذرة و المراعاة و حملوا أسوأ ما في نفسيّة الوضيعين و المتماهين و المرضى حتى استحالت بياناتهم سفسطة و سخافات" .                   
أحسّ غثيانا يسري فيه دفعة واحدة حتى فقد القدرة على التوازن و تكاثفت فوق رأسه غمامة و تزايد سكونها و ظل زائغ البصر جامدا. و واصل الشيخ يقول :                                   
"لن تجد إلا الغوغاء تتـمايز  متقلبة و كاذبة . لن تسمع إلا أصواتا مختلفة النبرات دون تعليل... أنج بنفسك و لا تدخل معمل الشيطان " .                                         
 حينها أدار وجهه عن المرآة و صاح :                    
"أصمت فكلماتك لن تُفسد عزمي".                                
خرج من المنزل ناصبا قامته و مطلقا عقيرته للتحية و شفتيه للابتسام و ساقيه لطيّ الشوارع و عينيه لاستكشاف الأماكن. كانت ملامح الأمل تعلو وجهه و الأشواق تتملك قلبه. تذكر كيف كان ينفر من الأشياء كأنها قطط و كيف كان حنقه يعكر التحليق في الأجواء و كيف كان ذهوله يسوقه إلى مسالك الضلال. و كم من مرة تمنى أن يسقط في هاوية أو أن يختفي ببساطة. علت محياه ابتسامة مقهقهة تضع حدا لكل الجنون و الاضطراب .      
تراءى له مكان يتجمع فيه الناس فحث الخطى نحوهم . و لما اقترب منهم توقف باهتا يجيل أنظاره فيهم فوجدهم حلقات و كل حلقة يتوسطها خطيب يرسل بيانه. و أخذ يطوف حولهم و يلقي بأسماعه للبيانات الهادرة التي تبذُل الوعود و تخترع السعادة و تتعفف عن الخضوع و شد انتباهه رجل تجمع حوله الحشد الأكبر. فقد هجر التربة التي تقسو عليها الحياة و اعتلى أعلى منصة و صغرت الأرض وراءه و الحشد تحول إلى بعوض و براغيث. كان يتلوى و يزمجر و يقتحم حاجة المستمعين باحتراس و يزعق و صراخه يعلو ملتمسا من جنونه ليعلّم الناس حوله مسالك المعرفة. حدّق به كثيرا فبان له عاريا يقطر سمّا و تنبعث منه رائحة كرائحة الجيف. فتمنى لو يتاح له أن يضربه على شدقيه ليسدّ حنجرته .   
و قال في نفسه :                                   
 "كيف لهذه الأجساد المسمَّمة و الأرواح الكريهة أن ترتع في العيش؟ "                              
و اقترب من رجل إلى جانبه و سأله من يكون هذا الخطيب ؟  
رمقه الرجل بطرف عين و قد استولت عليه الدهشة و قال :     
"هذا ملهم الشعب و منقذه لم يبلغ أحد ما بلغه من حكمة و عفة و طهارة و تلقائية".        
واصل حسن طوافه حول الجموع و الحلقات المتراصة و كان يستمع لخطبائهم الممتلئين شهوة و شكوكا و التواءا و مراوغة و هم يبدون تأييدهم لما تطلبه الحشود بإجلال و يعرضون وساطتهم . يختبئون وراء الأقنعة و جلود الوحوش و الأبطال الأسطوريين . لا شيء واضح و مستقيم , كل شيء مقلوب و معلق على كتل مبهمة من التناقضات تحجب الوصول إلى مكامن الوجع . أينما حولت النظر لن تلقى سوى التكرار و التفاهة الأبدية ذاتها و الشعارات العقيمة ذاتها و الأجوبة ذاتها للأسئلة ذاتها.                               
جرت عقارب الساعة نحو المساء و حسن لا يزال يطوف بين الجموع و الحلقات و البيانات تنتشر متعادية بخلطات عجيبة و محشوة بكلمات مشوهة تتدفق عطفا. تسافر فوق رؤوس لا تفهم لغتها و تحط على الجباه فتطلق الجموع العنان لحناجرها بالصياح إذ مسها من الحماس ما يفتح السماء و يجرها إلى الاندفاع حتى يفسد الهواء حولها و تتقطع الانفاس.                         
ظل يطوف و روحه الجائعة تبحث عن شيء تقتاته في فسيح الفضاء الطافح بالمنقذين الذين يلبسون جلود الابطال الأسطوريين. و اندفع بعواطفه يفتش عن ملاذ يحميه من شياطينه فليكن الدين أو المذاهب العلمانية أو المذاهب الثورية. فليكن الله أو التاريخ. فليكن الانبياء أو المخلصين الذين لا تكف ألسنتهم عن الضجيج و الرتابة.



الجسد الغائب (2)


دخل البناية الزرقاء و صعد السلالم متباطئا لا يكاد يرفع ناظريه عن مواضع قدميه و كأنه يعد درجات السلم. و حين وصل باب المكتب أسند ظهره إلى الحائط. و ألقى عقب السيجارة و تنفس بعمق كأنه يقف في العراء.                    
عبر الرواق المؤدي الى غرفته و وضع الحقيبة و فتح النافذة و جلس أمام شاشة الكمبيوتر يرتب عمله اليومي و يتصفح مواقع الأخبار عن السياسة و المضربين و المعتصمين و الموقوفين و المفقودين...                   
تابع دون حراك حتى اعترته علامات التأثر و الانتماء و لكنه يعرف جيدا أنه أضاع الخطوة. غطس في متابعة الأحداث و استلقي بجسده على حياته كلها ليستطيع أن يزأر غاضبا في نفسه و لكنه لا يسمع سوى الصمت.                                               
علت أصوات في الشارع فنهض من كرسيه و أطل عبر النافذة. شاهد جمعا يخرج من المقهى يركضون خلف صبي ممتلئين رغبة في القفز عاليا و لعق الدم. جرى الصبي حتى تعثر و انزلق فأدركوه و انهالوا يدوسونه و تكدس فوقه أحدهم يـمزّق ملابسه و جلده حتى سال دمه صائحا "يا سارق. يا ابن الحرام". ثم قام و ركله على رأسه. و انفضوا من حوله و تركوه يتعذب من جراحه و من احساسه بضعفه و ضآلته.                      
 علت وجهه علامات الغيض و الغضب و لأول مرة منذ زمن بعيد بدا عليه رفض كل ما قد يبدو منطقيا عند الآخرين و أطلق صوته في الفضاء صارخا :                              
"لا تريدون سوى أن نوغل في الوحشية حتى نموت بين الحوافر و النسيان أو نذوي بين الدعوات و اللعنات و غياب الغد".        
تردد صدى كلماته في الأفق و استدارت الأعناق صوب مصدر الصوت فلم يروا أحدا إلا النوافذ فاتحة أفواهها لهم. ساد الصمت على مجموعة الايول البرية التي كانت تعيد تصوير المطاردة بسخرية   و جال في خاطرهم :  "لماذا أتى هذا الصوت زائدا عما نريده".    
عاد إلى الداخل و تناول مجموعة من الملفات أمامه يتفحصها و يعمل عليها حتى مرت أكثر من ساعتين. بلغ منه التعب مبلغا فقام من مكتبه و تمدد على الأريكة مطلقا ناظريه نحو السقف و تبدلت ملامح وجهه القاسي و أصبحت أكثر دهشة و حيرة فما شهده اليوم قصف وعيه و ترك علامات لا يمكن محوها عن كيفية تحويل الشحنات الانفعالية إلى عمل. كان يعرف أن الواقع قد تغير و العالم يتحول و يتبدل و التاريخ ينسف عقودا سياسية و يبني علاقات اجتماعية جديدة. و أكثر شيء كان يعرفه أن كل هذه التغيرات تتم في غيابه. كما يعرف جيدا أن المنطق القاسي لهذا العالم يفرض عليه بنيته الجاهزة و اختزالاته الخانقة و هو لا يستطيع أن يبدل مجراه أو ينحرف عن الطريق التي قطعها كي يصل الى المكان الذي هو فيه الآن.                             
 أحس بالحيرة تثقب وعيه و تبدل المخيلة العذراء التي شكلها و سرى فيه التباس يقصف القيم المتراكمة و كل الأساطير و قصص الأبطال. و أيقن يقين الأنبياء أنّ لا شيء قد يبدل هذه الحال. و أنّ كل محاولة لاختزال القسوة في هذا العالم الملتبس قد فقدت القدرة. فما شهده اليوم لا يعد إلا مشهدا متواضعا ممّا يتعرض له من قصف يومي لوعيه و لكن أثره كان أكبر. ظلت صرخات ذلك الطفل الموجوع و لونه الشاحب كأشواك تخز عجزه. و لون دمه الأحمر المتدفق من جسده الجائع كالأفاعى تزحف نحو ذاكرته تستفزها حتى تبدلت ملامحه و تجهم قلبه فاستوى على الأريكة جالسا و مد يده ليأخذ سيجارة، أشعلها و ظل ينفث الدخان بعنف في كل الأرجاء و يتابعه بعيونه الدامعة من هول ما رأى أو من قسوة ما تذكر أو فقط لأن الدخان دخل إليهما.                
كان صبيا مجنونا و طائشا. يمقت الطرائف و المغامرات. لا يكترث للغرابة التي يعتنقها و لا لمواقف الآخرين. فالمهم لديه أن تكون أفكاره الصغيرة مرضية في سياق بحثه و أن تكون مواقف الآخرين مدغدغة لكسلهم.                                 
 كان حاد الانظار و قاسي القسمات. و أطرافه الهزيلة تمتد حول جسمه المتناسق و هو يسير في الطريق إلى المدرسة مرسلا ساقيه بغير هدي متغافلا عن الحذر مادّا أبصاره إلى الذُّرى و مطلقا يديه ليسند راحتيه إلى الفضاء. و أنفه الصغير منجذب إلى رائحة الأرض الندية. و أسماعه مفتوحة على الأغصان الهامسة و على غناء العصافير. و بحسه الطفولي العذب يسلم نفسه لنظرات الشمس الدافئة و ألسنة الأمل المتدفقة من السماء حتى يمكنه اختزان الثقة و الحلم.                                      
كان متقد الذكاء و شديد التيقظ و واسع الخيال. يحلم أن يصعد فوق قمة الجبل و ينطلق محلقا في الفضاء مثل الطيور أو إن أمكنه يبلغ السماء و لا ينزل من جديد مثل الأبطال الذين طالما حدثته جدته عنهم.                                                        
عاد الى مكتبه و ارتمى في حضن الكرسي أمام شاشة الكمبيوتر. و استمر يحدق فيه لوقت طويل و كأنه يكلمه ثم أشاح ناظريه عنه و هو يتمتم "أنا قليل بذاتي كثير بكم" . لم تكن كلماته غريبة فهو يريد أن يكون فاعلا في نظر ذاته و في أنظار الآخرين و لكن ما يعوزه هو قلة الجهد.                            
وقف ينظر إلى الشارع عبر النافذة. و استبدت به رغبة في أن يمزق ملابسه بأسنانه و أن يمتلك مخالب ليسلخ جلده حتى يسيل دمه. تنهد بعمق حين أدرك أنه يتطلع إلى ما لا يدرك و اعترف لنفسه بضعفه حتى يتجاوز إلحاحها و خاطبها قائلا :                
" الثّائرون يحاولون انتزاع العالم من العالم و يحولون انفعالاتهم الى عمل دون أن تقوى أجسادهم على أن تكون أرواحهم " .          
و امتلأ رغبة في أن يقفز عبر النافذة ليلتصق بالأرض و لكن الصوت الخافت يهمس في أذنيه :               
" إن الأرض لا تقبل قربانا إلا من الجائعين الغاضبين فترتوي من دماءهم  لتروي جذوع الشجر أساطيرها بشغف لكل العابرين".   
و من شدة إعيائه ثنى ركبتيه و تكدس على حافة النافذة و لم يقطع نومه سوى إحساسه بالليل فرفع ناظريه إلى السماء فلم ير غير القمر يراقبه بازدراء و قد ساءت نواياه. فأخذه الغضب و همس له:
" لا أرى فيك غير ناسك مملوء بالشهوة يتمنى لو يشارك كل الناس لذات أحلامهم " .                                 
 استدار  و وقف تاركا إياه خلف ظهره. لم يفكر ساعتها بشيء سوى بطعم الماء. جمع بعض الملفات و وضعها داخل الحقيبة و التفت للنافذة يغلقها مختلسا نظرة إلى القمر فوجده كما تركه فضوليا لا يتوقف عن التحديق.                
سار في الرواق حتى وصل إلى الباب فجذب الكوة و خرج يعدّ السلالم مغادرا. و ارتمى في الشارع مطويا على نفسه كأنه يحاول أن يتوارى عن الأنظار. لم يبحث عن سيارة أجرة كعادته بل واصل يحث خطاه مجذفا في بحر الذاكرة.                  
توقف خفقان قلبه و هو يرى التوهج في عيني جميلة و هما ترشقانه بنظرات مسكرة و يداها الصغيرتان تلوحان له تحفزانه على الوثوب. نظر إليها و أذناه مفتوحتان على قدميها و هي تنقر بسحر على الأرض و ضفائر شعرها السوداء تتطاير في كل الانحاء راسمة أعذب موسيقى تستدعيه للرقص. قفز مملوءا بالشهوات و الشرود يتبعها على مسالك الحب بين الأشجار المتلألئة حيث تتراقص أضواء القمر الذهبية.                                           
وقفا عند حافة الوادي و قد شعرا بالإسترخاء و هما يسرحان أنظارهما على الحقول الخضراء الراقدة وسط السكون المنعش. أدار أنظاره حوله كأنه يريد التأكد أنهما وحدهما و مد يده حولها. نظرت إليه مبتسمة و هي تعبث بضفيرتها ورفعت عيناها إلى القمر و هي تغني. و انطلقت الأنغام شجية تخترق سكون الفضاء باحتراس مملوءة بالحب و الأمل و لكن شيئا من الدموع الحزينة ينز بين حين و آخر.                              
ظل يستمع إليها و يضمها إليه كضوء القمر يضم المحيط الجميل حتى بدا كقطعة من الحرير الشفاف اللامع. و كان قلبه يعتمل بأشياء يريد قولها. ولكي يخفف ضغطه أطلق تنهيدة ثقيلة تلتها صيحة عالية ارتطمت بجرف الوادي و تردد صداها. توقفت جميلة عن الغناء و قالت و هي تضحك :                              
- لديك صوت جميل لما لا تغني معي؟                           
فأومأ برأسه خجلا و انطلق يغني معها أغنية قديمة.         
و بدت السماء رمادية حيث اختفى ضوء القمر خلف الغيوم و أصبح كل شيء ساكنا إلا من وقع أقدامهما على الأرض و هما عائدان إلى البيت.                                                  
 " اغفري لي كل الثرثرة الحائرة يا جميلة لقد كنت طائشا و أحمقا بشكل لا يغتفر.                            
البارحة رأيت نفسي و اياك في الحلم :                  
كان لنا جناحان عظيمان أكبر من عواطفي.          
كنتِ أجرأ من أفكاري و كان صدري أوسع من الكون لدرجة أنه لا يتسع لأحد غيرك.                      كنا نحلق و نمضي بعيدا إلى خارج العالم حتى اقتربنا من السماء و كل ما تحتنا قد غاب.                     سألتني : هل الكون صغير الى هذا الحد ؟                 
و أجبتك : إنّ هروبنا هو الكبير.                  
و اختفى كل العالم حتّى الجناحان.
و لكنّنا بقينا ملتصقين نحلق في الفضاء.                         
 فقولي لي يا جميلة كيف لنا ألّا نكون لكي نكون؟         
اشرحي لي كيف للحب أن يقتل أو يذيب ذاته و هو معذب بائس ؟                         
تمنّيت لو أحتضنك يا جميلة حتى يظهر مكنون قلبي و يعلم كل العالم أنه لا يجب أن نخرس و القلب ينبض في صدورنا.
و أسأل نفسي دوما كيف يتعذّر عليّ الحديث إليك بقلبي و أنت أشبه بروحي؟ فيشتدّ اضطرابي و تضيع أفكاري و كلما أحاول التخلص من ذلك أصبح ثرثارا حائرا ".         
توقف حسن عند بناية ممتدة كالبرج. ترتفع في الفضاء كالعزلة. حينها فقط انتبه أنه قطع كل الطريق سيرا على قدميه. لم ينتبه للمشقة و التعب مثل البناية التي تنتصب و لا تشتكي من الشقوق المشرعة و هي تمتد بين أكوام الحجارة و الاسمنت متنكرة كما يستر نفسه بين أكوام الحشود.                            
أشفق على نفسه التي أصبحت مهملة متروكة و علت وجهه تعابير قاسية غير معتادة. و صعد سلالم البناية حتى بلغ الطابق الذي يسكنه. فتح الباب و دخل متأوها متعبا من طول الطريق و ارتمى على أريكة وسط الغرفة و رغم التردد الكامن فيه قال "لا" كما تقول العاصفة و آوى مستسلما للكرى.                    
رأى في المنام ذلك الطفل الصغير يأتيه بجسده الجائع و هو يرتعش من البرد أو الخوف و يرفع بيديه النحيلتين سكينا كبيرة و يصرخ. خرج صوت يئن من بين شفتيه الجافتين :                         
               
" أنا إبن الجحيم و أقل العالمين حظا ...                     
سحقا لحظي المجنون لم يشأ لي إلا أن أولد في أشد العائلات بؤسا و في أشد الاحياء بؤسا و في أشد البلدان بؤسا .   
سأسجل على جدران الصمت إعلاني فهذا زمان الخروج عن الطاعة. سأكف عن أن أكون مثلما يريدونني أن أكون.
سأكف عن أن أكون مسكينا في عيون الكذابين المدعين الرحمة لينالوا الامتنان.                         سأطلق يدي تنهش كل الجيوب و سأوقع الاذى أينما أمرّ.
لطالما علّمونا أن الرذيلة في اقتراف الخطيئة مهما صغرت و علمونا كيف نصرف وحي الشهوة الشيطاني. و لكن قسوة العالم تعلمني أن الفضيلة في إتيان الخطيئة أكثر الاحيان فشهوة الجوع لا تنصرف و ليس لها ذنب لنستأصله.       
سأطلق يدي لأفرغها من الاحتقار.                    
سأقفز فوق خطوط الأبعاد فلن يكون هناك فوق أو تحت بعد الآن.         
 ليس هناك إلا أمام و خلف و لن أكون إلا في الأمام....
في الأمام...                          
سأقفز فوق النهي الوهمي و فوق الاضطراب المزعج.        
سأتخلّص من عجزي الصامت و أعلن عن نهاية الضعف و الضآلة.
أنا ابن الجحيم و أقل العالمين حظا...               
أنا ابن الجحيم و أقل العالمين حظا... إني ناي حزين و دموعي كل أنهار العالم و المقالع و المصانع و كل ما تشربون و تنهشون...                               
أنا ابن الجحيم و أقل العالمين حظا و أوجاعي عميقة و لكن لا تشفقوا عليّ فأوجاع العالم أعمق " .                       
و لوح بالسكين عاليا و انطلق يشق عباب الفراغ.        
أخذته رجفة و قفز من نومه يدور حوله و يصيح كالمجنون :       
أين أنت ؟ إنتظر...                                                
تراخت عزيمة حسن و انطرح على أرض الغرفة من شدة التعب ، لقد سئم كل طريق و كل هدف ففي كل خطوة لا تكف حياته عن رشقه بالسهام من كل جانب و تلتف الخيالات حوله تمتص دمه و الأيام الخبيثة و الرائحة المتعفنة تزحف تثير غثيانه و حتى سقف الغرفة لا يكف عن التحديق إليه و لعابه يسيل يريد أن يسقط عليه حتى يتغلب على تعبه. أرسل نظرات ازدراء فتناقصت الأشياء حوله و ازداد ارتفاع السقف حتى غاب تماما.
 كانت السماء صافية و النجوم تسبح متلألئة في الفضاء و القمر يشع بنوره العذب على الأرض التي تحتضن أطفالها و ترقد في الدفء و أصوات نباح بعيدة تقف حارسا من كل غريب. و جدته تحتضن أحلامها و أيامها مستسلمة للنوم.                 
أما هو فقد كان يتأمل الجمال المتناسق الذي يقذف من بطنه كثيرا من الأسرار فيوزّع الأمل مجّانا و يُقوي العزم. لقد اقتبس صفاته من كل ما حوله حتى صار الصمت في عينيه يقرأ أغوار الروح. فرك عينيه و استمع للشجرة التي تمتد أمام البيت تناديه. نهض مسرورا و تقدّم مادّا يديه حتى توارى خلف جذعها العظيم.       
 تململ في مكانه يتلذذ أوجاعه. لم يتعود أن يشتكي ممّا آلت إليه حياته ، كان حزنه يدفعه إلى الانسحاب حتى صار كل شيء رفاتا و أقذارا. و لكن كلمات ذلك الصبي التي تتردد أمام عينيه حدّثته بلغة يتقنها. فأطلق تنهيدة خرجت مدوّية كالعاصفة دفعت كل الألم الثقيل و أقنعت نفسه بالخروج عارية مقبلة على العطاء. انتفض قائما يرسل نظراته الى السقف فإذا بكل شهواته في السقوط عليه تختفي. دار في الغرفة و عالج صندوقا في الزاوية فخرجت منه نغمات حثت أذني قدميه على الرقص. تمادى في الرقص و أطلق ساقيه في مجالات السماء حتى ملك حكمة الطيور.                        
 امتلأ قلبه الصغير سرورا و هو مرتميٌ على ركبتيه يمسك بيد جميلة و ينظر إلى عينيها و اضطربت روحه و جعلت تدور محاولة تحريك لسانه. ضحكت جميلة فأحسّ بالأرض ترتعد تحته و تقذف كرات النار في روحه. فسرت في عروقه غبطة المستكشف تدفعه أن يشق البحر و أن يطلق جناحيه في مجالات الفضاء و صوته للغناء. انتفت كل الأبعاد و لم يعد لديه شعور بالجاذبية و أحس بلهفة فاتنة تدفعه إلى صدرها و لم يفق من ذهوله إلا حين أحس بالبلل.                                             
توقف عن الرقص و قد تبلل بالعرق فمشى ليغتسل و يأكل بعض الطعام و عاد و قد انتصف الليل ليخمد إلى فراشه. فتح النافذة فلفحه هواء بارد و وقف عندها ينظر إلى الأفق بصمت كأنه ينتظر مسافرا أو كأنه يتعجل بزوغ الشمس حتى يسبغ روحه بانفعالاته المثقلة و يمحو المرارة التي تكدست على فؤاده.