ارتمى بلطف بجانب جدته التي تستلقي فوق قطعة بالية من جلد حيوان و وضع رأسه
في حضنها و انطلق يمارس طقس العبادة . كل شيءٍ فيها كان يذكره بشجرة البطوم المنتصبة
في فناء بيتهم الواسع. طولها الفارع ووقفتها
المستقيمة رغم شيخوختها .لم يكن يلمس في جدته أي جماليات، كان يراها قبيحة جداً مثل
الغوريلا و شفتاها غليظتان و رأسها كبير يصلح للجلوس دون أي متاعب. أشهر شيءٍ قبيحٍ
فيها أنفها الأفطس. عندما تسمع تعليقاً عن فطاسة أنفها كانت تقول دون أيّ جهدٍ في التفكير:
-
يكفي أنني اتنفس
به.
كان يرى الأفق عبر ثقب أذنها الهائل الذي أخذ مساحةً كبيرةً من حلمة الأذن.
أما عيناها فكانتا حمراوتان تجثم فوقهما جفونَ منتفخة تُقيم دليلا على مقدرة فائقة
في تحمل الألم.
تذكر ذلك اليوم حين ذهبت تقضي حاجتها في العراء و عندما عادت تحك كعبها الذي
أخذ يتورم شيئاً فشيئاً دون أن يبدو عليها الألم. سألها في براءةٍ عما بها فقالت :
-
يبدو أن أفعى لدغتني.
ثم أخذت مشرطاً وفصدت اللدغة كأنها تفصد شخصاً آخر أو كأن المشرط يصنع أخاديده
المؤلمة في جسم غير جسمها. ازداد اضطراباً حين تذكر رؤية لدم أسود يخرج من تلك الأخاديد
ليصنع بركةً سوداء... بركة بلون سمّ ودم... ثم أخذت ترياقاً مثل حجرٍ أبيض اللون و سحقته بقسوة
ثم أخذت تملأ تلك الأخاديد بالحجارة الصغيرة ذات الأثر الحارق في الجروح... لقد تذكر
كل ذلك و هو يحاول البحث عن أثرٍ للألم بين خلجاتها.
ربّتت بيديها الغليظتين على ظهر القنفد الصغير المنكمش في حضنها فازداد انكماشاً
و وضع ذراعيه حول رقبتها كأنه يمنعها من الهرب.
كان البيت يرتجف بفعل الريح والباب يحدث صريرا مؤلما. فازدحمت في أنفه روائح
الروث و الخوف و رائحة جدته... كانا في كل هذا الصخب عائلةَ تتكون من جدة وحفيد. توفيت
أمه و هي تلده و أبوه قبل ذلك بيومين صعد الجبل. و أما جدّه فقد أعدم رميا بالرصاص
في حقل عندما قتل أحد حرس الدرك الفرنسيين ممزقاً جسده لأنه صفعه.
بقي مع جدته منذ عمر يوم. و أرضعته حتى الخامسة من عمره. كان ثدياها يحويان
لبنا طازجا ذي طعمٍ غير مفهوم و لكنه جميل. لقد كان يرضع قبل الذهاب خلف الخراف أو
للعب و بعد أن يعود لا يشتاق إلا لصدر جدته.
كان في الثامنة من عمره حين عاد من المدرسة ذات يومٍ و لم يجدها في البيت. ناداها
مراتٍ كثيرة. و لكنها لم تجبه. أعماه إدمانه عن رؤية أي شيء منها فناداها بأعلى صوته
بل بصراخ مدوّي. و بعد فزع شديد ردّت عليه بصوت غير صوتها من خلف الحظيرة التي
تسكنها البقرة و الدموع واقفةَ على جفونها و هي تقول:
-
إني هنا يا حسن.
كان صوتها مخنوقا بالعبرة و الغضب و
لم تكن ترتدي أي شيء سوى جزءٍ ضئيلٍ من ملابسها. طار مفزوعا إليها. فرأى البقرة
مستلقية بجسدها الهزيل من تعب الأعوام و عيناها دائرتان و فمها مفتوح يعض لسانها.
كان عنقها ملفوفا بملابس جدته.
كان يوما عصيبا و لأول مرة يكاد يرى دموع جدته. لم ينم الليل و كان يشعر بالرغبة
في التّعرّي و البكاء. و كانت جدته ذلك اليوم تتكلم مع الموتى فتقول لأمه :
-
" يا حليمة
يا ابنتي لولا خوفك من الولادة و ربطك للولادة بالموت لما مت ".
و تقول لجدّه:
-
"أنت يا
حسن لقد قتلك التحدي رغم خوفك ".
أما للبقرة فقد كان تقول:
-
" لقد قتلك
الجوع ".
ثم تلتفت إليه قائلة و قد التوى صوتها في الحديث و عيونها أكثر احمراراً و جفونها
متورمة لدرجة الانفجار وهي تحرك لسانها بقلق خلف شفتها المترهلة:
-
أتعلم قصة موت جدك؟
فيقول :
-
لا يا جدتي.
رغم أنه يعرف القصة و يحفظها عن ظهر قلب إلا أنّ رده لا يعني لها شيئاً سواء
كان بلا أو نعم لأنها كانت ستسرد له القصة في كلتا الحالتين...
ثقل لسانها و أخذت الكلمات تخرج ملتويةً و مقطوعة. كان يسمعها كأنها محشورة
في قُلّة كبيرة فيخرج صوتها بعيداً... قوياً... و مشوشاً:
" لقد قتل جدك أحد الجندرمة الفرنسيين حين
كان يعمل في معسكر أعمال شاقة إجباري. فحكمت عليه المحكمة بالإعدام و هو لا يدري ذلك.
كُتب الحكم في ورقة... و كان عليه أن يقطع مسافة كبيرة لتنفيذ الحكم في مكانِ آخر.
كان جدّك الغبي سعيداً لأنهم لم يقتلوه بل
أعطوه ورقة و قالوا له اذهب سوف يلقاك أناس هناك في زاوية من الحقل أعطهم هذه الورقة.
حمل الرسالة وقد حشرها في جيب سترته و تركها تنام فوق قلبه وهو لا يدري أنها رصاصة
موته. و عندما وصل ربطه جندي إلى سارية و أطلق عليه الرصاص. مات و الدهشة مرتسمة على
و جهه الغبيَ..."
ثم أخذت تضحك في هستيريا و تعيد القصة مرة أخرى بعد السؤال ذاته و بعد دهر من
الكلمات و الجمل الملتوية... ثم تباعد بين الجمل... و تباعد بين الكلمات... و تباعد
بين الحروف... ثم تصمت و تأخذ انفاسها الثقيلة
في شخير مزعج يضج في انحاء البيت بعد أن تبكي في سرّها على موتاها بنفس هستيريا ضحكها
و لا تنحدر الدموع على صدرها .
يقترب من جدته التي نامت ملقية أطرافها في كل مكان. حتى السماء لن تفلح في تغطية
شيء من جسمها الممدد على أرضية الغرفة العميقة... و يتناول ثديها و يشرع في ممارسة
رضاعته في نهم محموم. عندما يمس حلمتها للوهلة الأولى يتذوق طعماً مالحاً ، طعم دموعها.
رغم قبحها لم يكن يتقزز منها فهو يحبها.
يستمر في تلك الحالة و هو يسمع صوت الرعد بالخارج و أمطار غزيرة تضرب السقف
في إصرارٍ ثائر. يتجاهل كل هذا الصخب... صخب الطبيعة المفاجئة... ليعيش عالمه... عالم
يتكون من بحيرة في حجم شجرة البطوم. بحيرة غزتها الشيخوخة فنضبت و ترهلت حتى وصلت السرة.
ذات يوم و هو يسير خلفها في طريقه لجلب الماء من العين. و هما يتخذان شريطاً
من الطريق الذي صنعته أقدام البشر بين الحشائش التي تغطي نصفه الأسفل. كانت تضع قلةً
كبيرةً سوداء على رأسها ممسكة بها بيدها
اليسرى فيظهر ابطها الأحمر الذي احترق بالعرق. و هو يرى الأفق عبر ثقب أذنها
و يعد خطوط الشيخوخة
التي أصبحت واضحة في مشيتها السريعة المتعثرة. و في ترهل بطنها و ثدييها اللذان
عندما يصطدمان بالبطن
يصدران صوتاً كالتصفيق في حالتي المشي و الرقص...
كانت كغير عادتها هائمة صامتة. و كان يحاول اللحاق بها بين حين و آخر بهرولة
خفيفة. و فجأة توقفت لأنَ هناك أفعى ملونة ترفرف حولها فراشاتَ تحمل ذات الألوان الطفيفة.
اندهش لذلك و قال مازحا :
-
منذ متى تقف جدتي
لرؤيتها أفعى؟
قالت بعد أن تنهدت بعمقٍ ولأول مرة يلمح خوفاً مخلوطاً بالحزن قد جثم على أخاديد
و جهها الكثيرة و العميقة:
-
هذه الأفعى نذير
شؤم...
تابعا سيرهما دون أن يتحدثا. قالت جدته بعد أن فقدت الأمل في أن يتحدث:
-
أتعلم أني رأيت جدك
قبل أيام؟
قال:
-
في الحلم؟
قالت:
-
لا... بل في الواقع...
قال:
-
و لكن يا جدتي جدي
قد مات كيف ترينه مرة أخرى؟
قالت:
-
رأيته في صورة أفعى...
ضحك و لكنه سرعان ما صمت عندما رأى الجدية على وجهها و قال:
-
وكيف عرفتِ أنه جدي؟
قالت:
-
من تلك العرجة التي
كان مشهوراً بها و صفات أخرى أعرفها أنا فقط ... عرفت أننا لا نموت بل نتحول إلي أشياء
أخرى تحمل الصفات التي كنا عليها... نتحول و لكن دون ذاكرة فجدك لا يذكرني عندما تحول
إلى أفعى...
قال:
-
و ماذا تريدين أن
تكوني جدتي بعد عمر طويل؟
قالت:
-
لا أدري إلي ماذا
سأتحول و لكني أتمنى أن أتحول إلي نسر.
و منذ ذلك الحين و علاقته بالنسور قوية. كلما يلمح واحداً يتأمله في تحليقه
عسى أن يجد بعض صفات جدته... ثدياً هائلا .. عيوناً حمراء .. جفوناً منتفخة .. أو لبناً
بطعم الملح...


