خرج من المقهى و ارتمى في حضن الشارع. السيارات سكنت على الأرصفة و لم
تغادر و الليل يَغمُرُ المدينَةِ بِزُرْقَةٍ صَافِيَة و المصابيح تَذرفُ نُورهَا وَلا
تَنتَهي... و السماء ترش زخات خفيفة من المطر. لم يكن في الشارع إلا بضعة أشخاص
يحثون الخطى و أصوات ضحكاتهم تعلو وسط السكون ثم يختفون في صمت. كان يسير متوحدا
مع المشهد المهيب و ملامحه خالية من أي تعبير. إلا أن هاجسا أخذ يلازمه فهو يخاف
من حدوث أمر سيء له.
كلُّ الأشياء مُطمئنَّة و لا تنتهي. فعلى الطريق تَمضِي الشَّاحِنَاتُ بأثقَالها
رَاضِيَة و تَمضِي حَيثُ غاياتها المنتَظرَة و لا تَنتَهِي الشَّاحِنَاتُ يَومَاً وَلا
الطُّرقَاتُ تَنفَد وَلا الأرصفةُ تَضِيع وَلا أحَدَ يَضيع... وَلا خَوفَ هنا ولا نَارَ
فِي البَحر... فالبَحرُ سَلام فِي خَفقِ النَّوَارِسِ البيَضَاء و فِي أُغنَيَاتِها
الفَجرِيَّة و فِي رَائِحَةِ الضِّفافِ البَعِيدَة و في لهَفةِ المَوج... و في سِكَّةِ
العَائِدِين تَشدُو الأَنوَارُ عَلى المياهِ أنَاشِيدَهَا القَدِيمَة مثلَ طُفُولَة...
كُلُّ الأشياءِ هُنَا حَاضِرَة وكُلُّها مُطمَئِنَّة و كَأنَّها الأبديَّة... وكأنَّها
الوَهلَة...كَيفَ يمضِي إذَاً...؟ كَيفَ يغَادِرُ البحرَ والبَحرُ أيَّامِه الَّتي
انْطَوَتْ... وَالبَحرُ أيَّامه التي سَتَجِيء... وَالبحرُ ما لا يَغِيب...
إشتد هطول المطر حتى صار الشارع الطويل بحيرة عائمة و الاضواء المنعكسة من
المصابيح ترسم على صفحة الماء المرتعشة قوارب لا شكل لها . و كان يسير خافضا رأسه
ملتصقا بصف المباني و قدميه لا تكف عن التجديف. تتناهى إلى مسامعه ملامح أغنية
تسبح سكرى فسرى فيه تأثر خفي دفعه أن ينتصب بلا حراك ينظر إلى البنايات حوله وقد
بدت مداخلها كالكهوف المظلمة. تنهّد و رفع عينيه إلى السماء بالامتنان أو العتاب.
كان يحسّ بشدة أن الإنسان لعبة أكبر من الإنسان بذاته فإذا ما حاول أن يكون
بحجمها يكتشف أنه تراكمات لأوهام كثيرة وقصيرة القامة فُخِّخَت لتصيد أوهاماً أكبر
وأطول منها. لقد أعجبته تلك الفتاة التي صادفته في المقهى. ربما لمحت الضياع في عيونه.
فقد استدرجته نظراتها إلى حوار طويل قربها منه.
سألته عيناها: ما هي غايتك؟
لا إجابات حاضرة بذهنه. و لكنه يريد أن يضع فمه على ينابيع الحياة مباشرة. لا
يمكن نعته بالطمع إذا رَفَض الأثداء المعدّة لمص الحياة. فهو كالشيطان يعلم جيداً أن
الإنسان أطمع منه. ضحك بخبث وقور إذ يعرف أيضا أن الشيطان لا يعرض على الإنسان الطمع
بل المشاريع فقط. و يعلم أنه لم يخرج من داره لكي يساوم الغرباء. و ماذا عن أصدقائه
الجدد؟ هؤلاء غرباء أيضاً و هو قادم من أصقاع وحدته.
دعته عيناها إلى مشروع التشارك معهم و لكنه يراه فاشل لا أكثر. لأنّ التشاركية
لخلق مُطْلَق تلغي فكرة الإطلاق نفسها.
سألته: أوجودي أنت؟
أجابها: لا أبداً لست وجودياً ولا بوهيميا... أنا فقط شخص فاشل في كل شيء.
كل شيء يؤكِّد معناه في الحياة لينفيه بصورة أعمق. الذي يحفر دون توقف ليميز مكان حفره عن باقي
الأرض يُلغي مجهوده بجعل الأرض كلها حفرة. الغناء يبدأ مُشَبَّعاً بالطرب فيخفت و يخفت
حتى يصير حنيناً ثم حزيناً وينتهي بالدموع. إن الحياة كلها تنبني على مسيرة بين طرفين
في كل شيء. حينما تنفصل تماماً عن أحد الأطراف تتصل به كأمتن ما يكون.
نادته عيناها. فسألهما و لم يطمع في
إجابة منهما مطلقاً: ولماذا أجيئك؟ لأُعَمِّدك... لقد عمّدني الزمن له وانتهى الأمر..
صار طريقي مع الأيام... لا حاجة لي بوجود أحد خارجي يخنقني بقدر ما أخنق أنا نفسي...
جهنم ليست حل الله الوحيد. دارت في دماغه هذه العبارة طويلاً حتى أصاب
غثيان منطقة منه فعزلها بالكامل. أراد تنشيط تلك المنطقة... أراد امتلاك طاقته في تلك
الجهة المعزولة... منطقة حقيقته الحقيقية المعزولة. العقائد تهدف لما هو فوق الحقيقة.
إنها تريد مشيئة الحقيقة أي التحَكُّم فيها. فالحقيقة بدون مشيئتها لا تجعل مِنّا حَقِّين...
تأملت وجهه فأجابها: الكل يُخفي البارود تحت قُبّعته ويُميلها ناحية جبهة الصلاة.
لقد تسكع حتى شعر وكأنه قائد دَكَّته معركة فاصلة و انهزم من حوله جنوده كلهم.
و لما أخذ يصيح ليشيع فيهم روح الحماسة لم يجد إلا حصانه من تحته. ثم هوى حتى بلغ حانة
أقيمت على ذيل مُذَنَّب يشق أبراج السماء.
لم تكف عن لطافتها و سألته: ما الذي ليس بوسعك أن تفعله هنا؟
أجابها إنه يفعل أي شيء يريده وبكل برود جريء. ويقول كل ما يود قوله بكل عفوية
فَجَّة.
لقد أدهشه صدقها. كان يستمع إلى نظراتها تُجري حواراً معه... لو سألته: كيف
صنعت عبقريتك؟ لأجابها ببساطة تُعَبِّر عن الصدق أنه كان لا بد أن يكون عبقرياً. فما
العبقرية إلا واجب؟ لقد وُلِد في طبقة فقيرة يتعسّف عليها كل البشر. ألمها يقص له الأقاصيص
إلى يوم موته. وقبح المصير على استعداد لأن يربك السماء.
دقّت الساعة السادسة و النصف صباحا فأفاق يرتب نفسه ، كان وجهه يتألق سرورا
و عيناه الواسعتان تتلألآن وقلبه يخفق راقصا من الاثارة. نزل السلالم و لسان ساقيه
يحثه على الاسراع. التقى بأصدقائه الذين تعرف عليهم البارحة. كانوا واقفين أمام
مشرب المسكن الجامعي يشربون قهوة الصباح حتى تفيق أعينهم و يسري فيهم الدفء في هذا
اليوم الخريفي الذي ينبئ بنزول المطر. ألقى عليهم التحية و دخل إلى داخل المشرب و
خرج يأكل قطعة من الكعك و يمسك كوبا من القهوة بيده الأخرى.
كانت السماء تلبس حلة رمادية مغرية و المطر بدأ ينزل رذاذا خفيفا فأطلق
الجو فيهم شهوة في القفز و الجري. انطلقوا يسيرون بعجلة في الشارع المنحدر وكانت
الأشجار تنحنى بلطف لنفخات الريح الخفيفة و المربعات السكنية تنتصب بجدرانها
البالية و ألوان دهنها المتفسخة متحدية للريح و السيارات تزأر كالوحوش الغريبة و
هم يطلقون أصواتهم كأنهم يعلنون وجودهم في هذا المحيط الجديد.
وصلوا إلى زاوية بالشارع الطويل المتعرج و انعطفوا عبرها فبان لهم مدخل
الجامعة تكتظ أمامه جموع الطلبة. كان كل المشهد جديدا على عينيه فحلق مجيلا أنظاره
فيهم ، كانت الفتيات يرفلن في بناطيل الدجنز و يلبسون سترات قصيرة مطلقات شعورهن
بلا ضفائر يختفين تحت مطريات صغيرة ملونة ينقرن على الارض. و كان الشبان أقل
تنسيقا للألوان و لكن في مجملهم يبدو عليهم المرح و ضحكاتهم تعلو صاخبة في
الأجواء.
ودّع رفقته و دخل بين المجموعات ينساب كالصمت لا يراه أحد أو قد يكونوا رأوه مثلما رآهم و لكنه كان هادئا و هو يختلس النظرات حوله في سكون لعله يصطدم بوجه مألوف.
ودّع رفقته و دخل بين المجموعات ينساب كالصمت لا يراه أحد أو قد يكونوا رأوه مثلما رآهم و لكنه كان هادئا و هو يختلس النظرات حوله في سكون لعله يصطدم بوجه مألوف.
دقت الساعة الثامنة فتوجه الجميع نحو قاعات الدرس. و لكنه صعد مدرجا خاطئا
فعاود النزول ليرجع إلى المدرج الاخر. و لما كان يهم بالصعود أوقفه صوت انساب كهمس
النسيم إلى مسامعه فأدار وجهه ليرى فتاة كأنها قطعة من الشمس أنارت المكان حين
شاهدها. كان شعرها يسترسل كالحرير الناعم على كتفيها و يحيط بوجهها البيضوي الرائع
حيث تقوس حاجباها بكل أناقة فوق عينيها الواسعتين المتألقتين على جنبي أنفها
البديع. أشرقت بدفء متوهج في تناسق مذهل و هي تقول :
صباح الخير ، أين القاعة ستة أرجوك.
ضاعت كل اللياقة و اللطافة و رد باضطراب :
- من هنا.
و صعدا المدرج معا و سارا في الرواق و قلبه يرقص على وقع أقدامها. دخلا
فأخذ مكانا قرب النافذة و استرق النظر إليها فرآها تغيب بين مجموعة من الفتيات و
الشبان في وسط القاعة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق