الجمعة، 5 ديسمبر 2014

حياتنا مصنع... لا شيء أكثر (جزء2)

و إلى جانب الفصل بين المنتج و المستهلك في الطور الصناعي كان هناك فصل آخر أثّر كثيرا في الحياة الداخلية للأسرة و خصوصا الأدوار الجنسية و هو فصل العمل إلى نوعين. حيث كانت الأسرة في مجتمعات ما قبل الطور الصناعي تعمل في البيت أو في الأرض كوحدة إقتصادية متكاملة و كانت حياة الأسرة منصهرة (حياة البيت + حياة العمل) حيث يمارس الأعضاء أدوارا مختلفة و متنوعة و يتبادلون الأدوار و لا ضرورة للبحث عن النجاح في مكان آخر لأن الإكتفاء الذاتي كان موجودا بالنسبة لكل قرية. و رغم وجود نوع من فصل العمل وقتها إلا أنه لم يكن إلا تقسيما بدائيا بمستوى إتكال متبادل منخفض تماما.  
ومع بداية العصر الصناعي الذي حوّل الأرض إلى مصنع فتميز العمل بذلك بمستوى عال من الإتكالية المتبادلة حيث أصبح العمل جهدا جماعيا مقسّما وتنسيقا للمهارات و الفعاليات المختلفة و سلوكا تعاونيا مبرمجا لآلاف العمال المنتشرين. و أصبح العمل مدروسا مرتبطا بطلبيّات و باقتصاد إقليمي ما.
و لم يستمر العمل بالنمط القديم (الإتكالية المتبادلة المنخفضة)  إلا في البيت تلك الوحدة اللامركزية التي لا هدف لها أكثر من التناسل و البث الثقافي و إذا فشل بيت ما في مهامه لن يأثر في بيوت أخرى أو في إقتصاد إقليمي ما.
و كالعادة استمرت المرأة ربة للبيت في آداء وظائفها تنتج لتستفيد العائلة فقط. لقد تحرك الرجل إلى المستقبل و بقيت المرأة أسيرة الماضي إذا فأفرز هذا التقسيم انفصاما في الشخصية الداخلية، حيث أدت الطبيعية الجماعية لعمل الرجل (في المصنع و المكتب) و كل ما فيه من حاجة للتنسيق و تظافر الجهود إلى التأكيد على التحليل الموضوعي و العلاقات الموضوعية و بالتالي وقع تأهيل الرجل ليكون موضوعيا في حين بقيت المرأة تؤدي مهمة الإنجاب و تربية الأطفال و العمل المنزلي في عزلة إجتماعية تقريبا و هكذا تأهلت المرأة لتصبح ذاتية الأمر الذي اعتبرها عاجزة عن التفكير العقلي و التحليل الذي كان من صفات الرجل الموضوعي. أما النساء اللواتي إلتحقن بالعمل في المصنع فقد وقع إتهامهن بتجاوز خط الأنوثة و الحط من قدرها حيث إزددن برودة و خشونة. باختصار و حتى لا نُتّهم بأي تهمة نقرّ أن إضطهاد المرأة كان قبل الطور الصناعي بعصور طويلة و لكن الصراع بين الجنسين الحديث هو نتيجة الصراع بين أسلوبي عمل.   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق