الأحد، 30 نوفمبر 2014

حياتنا مصنع... لا شيء أكثر (جزء1)

حياتنا مصنع...
احتاج التطور التقني إلى مجال اجتماعيّ معادل له في الثورية فتحولت البيوت الكبيرة التي تظم أجيالا كثيرة تحت سقف واحد و التي تعمل كوحدة إنتاجية ثابتة و متجذرة في الأرض إلى عائلات نووية تظم الأبوين و الأبناء سهلة الحركة و  التنقل حتى تكون ملائمة لاحتياجات المجال التقني الجديد و بذلك تناقصت وظائف الأسرة و وقع إسنادها لمؤسسات متخصصة كالتعليم و العناية بالمسنين و بالرضع و الطفل...
 التعليم الجماهيري كان أعظم نتاج للطور الصناعيّ حيث نشأ لاعتبار واحد و هو أنه كان من المستحيل الحصول على سواعد ماهرة للمصنع من البشرية التي نشأت على الزراعة و في محيط الصناعات اليدوية البسيطة. إذن حاجة المجتمع الصناعي للسواعد الماهرة كانت البنية الأساسية للتعليم الجماهيري الذي يتضمن تعلم الكتابة و القراءة و الحساب و قليل من التاريخ و مواد علوم إنسانية أخرى و مواد علوم تجريبية و تقنية و لكن الأهم من كل هذا هو ما يتضمنه و لو مقنَّعا من تعليم لأخلاق العبيد : الإلتزام بالمواعيد و تلقي الأوامر و و الطاعة و العمل المستمر دون إعتراضات.
و بتطور المجتمع الصناعي تطور التعليم الجماهيري حيث صار الأطفال يدخلون المدارس في سنّ مبكرة و يقضون جزءا كبيرا من السنة في التعليم و ازدادت سنوات التعليم الإجباري و مواده و موارد الإنفاق عليه إلى أن صارت المجتمعات تعتبر التعليم كالحياة والحرية بل إنه أعظم النعم التي مُنحت للبشرية.
و لكن التعليم الجماهيري لم يكن إلا وسيلة الموجة الصناعية إلى تحويل الإنسان إلى مجرّد آلة لا أكثر و لا أقل ، أي إلى قوة عمل ليّنة مجنّدة للخدمة في المصانع و المكاتب للقيام بعمليات تكرارية تشكل نظاما متكاملا الأدوار في المجتمع الصناعي و لا يختلف الأمر بتاتا بين تلك التي تسمّي نفسها مجتمعات رأسمالية أو مجتمعات شيوعية. و كلما زاد التطور الصناعيّ زاد التطوّر في التعليم حتى صار الإنسان المتعلّم عبدا للآلة و اختصر واجب وجوده في تكنوقراطية متعفنة روتينية و مملّة.
و بتطوّر الصناعة تقلصت الأعمال التشاركية بين الأفراد و الأسرة حتى ظهرت مؤسسة جديدة عُرفت باسم الشركة لتلبية حاجة الإنتاج الجملي لأموال ضخمة فوق طاقة فرد أو مجموعة صغيرة للإستثمار في المشاريع التجارية (و ما رافق ذلك من إدخال مبدأ المسؤولية القانونية المحدودة = إذا أفلست شركة لا يخسر المستثمر إلا المبلغ الذي إستثمره) حتى صارت الشركة النموذج التنظيمي الرئيسي  في كل المجتمعات.
و هكذا صار معظم البشرية يتبعون مسارا نموذجيا في حياتهم و يُلخص في ما يلي: التنشئة في عائلة نووية ثم الدخول في المدارس ذات النموذج المصنعي فالعمل في شركات خاصة أو عامة. و حول هذه المؤسسات الثلاثة(الأسرة النووية، المدرسة، الشركة) قامت كل المنظمات و الجمعيات و الإتحادات و الأحزاب السياسية و المكتبات و دور السينما و الألعاب و الفرق التجارية و البيروقراطيات الحكومية و السجون و المستشفيات و المدارس في تنظيم معقّد يخضع للتنسيق و التوازن. لوهلة أولى يبدو كل هذا عشوائيا و  فوضويا و لكن بنظرة متمعنة نكتشف نمطا ثابتا و هو نمط المصنع المتقدّم (تقسيم العمل + البنية الهرمية + التجرد).
حتى الفنّ لم يسلم من خصائص المصنع فالفنان مهما كان حقل إشتغاله يقع تحت رحمة السوق أي أنه تحول إلى بضاعة لا شيء أكثر. و ليكتمل مشهد الحضارة كان لابد من مجال إنتاج آخر حتى تكتمل زخرفة المجالات التقنية و الإجتماعية لذلك ظهر المجال الإعلاميّ لإنتاج المعلومة و توزيعها حيث لم يعد الإتصال المباشر يلبي حاجة المجتمع الجديد فبرزت أجهزة إرسال جديدة و نظم حمل معلومات هائلة و قنوات واسعة للإتصالات كالبريد و الهاتف و البرق و لكن هذه القنوات كانت خاصة كثيرا و المجتمع الذي ينبني على الإنتاج الجملي كان بحاجة لنظام يرسل المعلومات بالجملة بتكلفة أقل و سرعة أكبر فولدت وسائل الإعلام الجماهيرية كالصحيفة و المجلة و الراديو و التلفزيون و كالعادة نجد فيها كلها تضمينا لمبدأ المصنع الأساسي فكلها ترسل معلومات متماثلة لملايين المتلقين (نسخ لمنتجات موحدة قياسيا و مصنعة جمليا) . لقد كانت المنظومة الإعلامية تشتغل بنفس الطريقة بغض النظر عن الإختلافات الثقافية و المناخية و العرقية و الدينية و بغض النظر عن الرأسمالية أو الشيوعية.
و قد رآى عديد الفلاسفة و الكتاب (آب مورلي، روبرت أوين، سان سيمون، فوربير، برودون، بلانكي، بيلامي...) أن هذا الطور الصناعي جلب معه أملا للإنسانية في القضاء على الفقر و الجوع و المرض و الطغيان و أملا لبث السلام و التوازن و التشغيل و المساواة و نهاية التمايز الناجم عن مكان الولادة و النسب و نهاية كل تلك الظروف التي بدت ثابتة و أبدية.  و لكن حضارة اليوم أدنى من "الطوباوية" إنها جائرة و موحشة ذات بيئة غير مستقرة تميل للتدمير و الحرب و تُخضع الفرد للقمع النفسي و تُمزق المجتمعات بين الإنتاج و الإستهلاك . باختصار لقد حطم الطور الصناعي وحدة الإنتاج و الإستهلاك و فصل المنتج عن المستهلك و جعل كل شيء معدّا للبيع و خلق مجالا لا يتحقق فيه لأحد الإكتفاء الذاتي، لقد أصبح الجميع يعتمد كليا على ما ينتجه الآخرون من غذاء و سلع و خدمات و تحول السوق من ظاهرة عادية بعيدة عن مركز الحياة إلى دوامة الحياة نفسها و صار الإقتصاد ظاهرة "مسوقة"  سواء في الرأسمالية أو الإشتراكية و انشغل الجميع في النظام المالي و أصبحت القيم التجارية أساسية و مركزية و أصبح النمو الإقتصادي الذي يقاس بحجم السوق هدف الحكومات الإشتراكية أو الرأسمالية حتى وقع تقسيم واسع للعمل و بالتالي زيادة حادة في الإنتاج التي أطلقت العنان لعملية التضخم الذاتي. و قد ساهم كل هذا في نشوء نماذج حياتية غير مألوفة و وجد السياسيون أنفسهم وسط صراع جديد ( حجبته فكرة ماركس عن الصراع الطبقي) صراع بين العمال و أصحاب العمل لأجل أجور أكبر و أرباح أكثر التي يوازيها مطالبة المستهلكين (بما فيهم نفس الناس تقريبا أي العمال و أصحاب العمل) لأسعار منخفضة. فظلت كل السجالات السياسية تتمركز على هذا الصراع الأخير.

هذا الإنفصام بين الإنتاج والإستهلاك أنتج حضارة مادية التفكير و "لم يترك وراءه أية رابطة أخرى بين الإنسان و أخيه الإنسان سوى المصلحة الذاتية العارية و امتلاك المال" (البيان الشيوعي) و أصبحت العلاقات الشخصية (الأسرة، الحب، الصداقة) مصالح ذاتية تجارية. لقد نسب السيد ماركس مسألة الحط من القدر الإنساني للعلاقات و الروابط الشخصية المتداخلة للرأسمالية و هذا يبدو لي ناقصا إذا إعتبرنا أن نظرياته كلها استنبطها في وقت كان المجتمع الصناعي الوحيد رأسمالي الشكل. و لكننا اليوم بعد تجارب عديدة نجد أن العدوانية و الفساد و انكماش العلاقات الإنسانية إلى صيغ اقتصادية جامدة ليس حكرا على النظام الربحي الرأسمالي ، إنه إنعكاس لدور السوق في كافة المجتمعات بغض النظر عن بنيتها السياسية حيث لا يتم تسويق السلع فحسب بل العمل و الفكر و الفن و الحياة أصلا. حيث أصبح السلوك العام جاهزا لعقد الصفقات و التعاقدات ضمنية أو ظاهرية، فحتى الأزواج يُؤلفهم الحب ظاهريا و لكنهم يتكلمون عن العقود المادية أكثر. هذا الإنفصام القائم بين دوري المنتج و المستهلك أدى إلى ظهور الشخصية الإزدواجية فالفرد نفسه تعلم عن طريق الأسرة و المدرسة و الشركة الإذعان و الإنضباط و ضبط النفس و الطاعة و القناعة و التعاون مع فريق متكامل تعلم أيضا السعي لإرضاء حاجته و إشباعها و البحث عن المتعة و التخلي عن الإنضباط و التهذيب وراء مباهج الحياة. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق