يعتقد الاشتراكيون الديمقراطيون
أن النضالات الجماهيرية لن يتسنى لها الإنتصار إن لم يكن هناك تنظيم سياسي يقودها و
يؤطرها. و هذه الحجة المركزية لفلاديمير لينين أحد دعاة الحزب الطليعي : " ان
الوعي الطبقي السياسي يجب أن يأتي الى العمال من الخارج أي من خارج العلاقات الاقتصادية
والنضال الاقتصادي".
و قد عُرف لينين كمؤسس
لنظرية الحزب الطليعي و لكن هذا خاطئ تماما فأول من تناول ذلك هو كارل كاوتسكي منظر
الحزب الاشتراكي الألماني حيث أنه أول من وضع المبادئ الضرورية لمفهوم الطليعة. و قد
كان يعتزّ بكارل ماركس و لكن يستمد تنظيمه العملي كليا من فرديناند لاسال صاحب المقولة
الأساس للحزب الطليعي : " ضرورة ملء الهوة بين المثقفين و الجماهير". فقد
طالب لاسال بشكل مباشر الطبقة العمالية بتأسيس حزبها الخاص والمستقل. و تجدر الاشارة
هنا إلى أن السيد ماركس قد انفصل تماما عن لاسال الذي حاول الوصول إلى الاشتراكية عبر
اختصار الطريق نحو الدولة المطلقية للملاك البروسيين تحت زعامة بسمارك "المستشار
الحديدي". حيث أنه كان سجين فكرة "تخلّف" العمال رغم ما سطّره هؤلاء
من صفحات بطولية في تاريخ القرن التاسع عشر. فقد اعتقد لاسال أنه مالك المعرفة و من
واجبه "ملء الثغرة بين المثقفين والجماهير" في خضم احتداد الصراع الطبقي.
و أن مهمته هي تلقين هذه المعرفة إلى "غير العارف" و "الجاهل".
و قد كشف في دفاعه عن تصوره الخاص لدور المثقفين عند محاكمته بسبب تأثيره على الجماهير
: "كيف حصل أن أضحت الطبقات البورجوازية تخاف من الشعب؟ تذكروا شهري مارس وأفريل من سنة 1848 ، هل نسيتم ما كان عليه الوضع
آنذاك؟ لقد كانت قوات الشرطة عاجزة حين ملأ الشعب الشوارع وأصبح الناس والشارع تحت
سلطة رعاع مشاغبين عديمي المسؤولية. مجموعة من الجاهلين الذين أنتجتهم العاصفة... أين
كان المثقفون؟ أين كنتم أيها السادة؟ كان عليكم أن تشكروا هؤلاء الذين يعملون من أجل
ملء الثغرات بين المثقفين والجماهير لهدم الحواجز بين البرجوازية و الشعب". هكذا
كان تصور لاسال إذا للجماهير. فهل لا نلمس تماثلا تاما رغم بعض التزيين و اختيار الكلمات
عند الاشتراكيين الديمقراطيين و البلاشفة خصوصا؟
كما اقترح لاسال أن
يقوم العمال بإنشاء تعاونيات للمنتجين "بدعم من لدن الدولة" معتبرا أن هذا
سيدفع إلى اعتبار الدولة البروسية المطلقية كدولة بدون طبقات. و ظل غير معترف باستطاعة
العمال التغلب على وضعيتهم في العمل معتقدا أن ماركس كان "جد تجريدي" وأنه
لم يفهم "السياسة الحقيقية" لأنه آمن بالإبداع التاريخي للعمال. و قد أقنع
نفسه بسهولة قدرته على إجبار بسمارك على القبول بأفكاره وقد حمله إدراكه للواقعية السياسية
على البحث عن مساعد في شخص كارل روبيرتوس وهو رجل اقتصاد "اشتراكي" في خدمة
الحكومة البروسية. وفي البداية حصل فعلا على موافقة روبيرتوس في شأن مشروعه حول تعاونيات
المنتجين المدعمة من لدن الدولة إلا أن روبيرتوس لم يتصور إمكانية تحقيق تحول اشتراكي
إلا بعد خمسة قرون على الأقل. بينما كان لاسال مستعجلا يود الوصول "بسرعة"
إلى الاشتراكية و إن أمكن بعد سنة واحدة.
ويجب أن نعترف بأن لاسال
لم يكن اشتراكي صالونات بل كان مناضلا و لم يقتصر على الكتابة فقط. فقد ساهم في تأسيس
أكبر حزب مستقل للبروليتاريا الألمانية للضغط على الدولة البروسية لإجبارها على منح
مساعدات مالية للعمال الذين سيؤسسون معاملهم الخاصة. وبذلك كان من الواجب التحريض على
الحركة في أوساط العمال. وهذا ما قام به فعلا بواسطة ندائه التالي : "على الطبقة
العمالية أن تنتظم في إطار حزب مستقل وعليها أن ترفع شعار و راية : الاقتراع المباشر
المساوي للجميع فهو الأداة الوحيدة التي ستمكن الطبقة العمالية من أن تصبح مشغلة ذاتية.
كما سيقصى القانون الطاغي والقاسي المجمد للأجور في حدها الأدنى. و عندما تصبح الطبقة
العمالية مشغلة ذاتيا سينجلي الفارق بين الأجور و الأرباح. ومن واجب الدولة أن تخدم
لصالح هذه القضية العظمى". استجاب آلاف العمال لهذا النداء، فتكونت الجمعية العامة
للعمال الألمان رسميا في مايو 1863 . وفي يونيو، وبدون مشاورة العمال –وكان ذلك شيئا
عاديا- بعث لاسال إلى بسمارك بالقوانين المنظمة التي تم الاتفاق في شأنها، مرفقة بالكلمات
التالية: "قد يكفيك هذا لتتأكد بأن الطبقة العاملة مستعدة ضمنيا لقبول الدكتاتورية
إذا كانت هذه الأخيرة ستعمل لضمان مصالحها". لم يكن لاسال خائنا ولا من الذين
تشترى ضمائرهم. لقد ناضل من أجل مبادئه ودخل السجن لأجل ذلك، كما لم يستطع أبدا أن
يستسيغ إمكانية أخذ العمال بزمام الأمر، فبالنسبة إليه كانوا يمثلون "الرعاع"،
وذلك ما ظنه سنة 1844 عندما ثار عمال النسيج بسليسيا، وكان آنذاك ما يزال طالبا، إلا
انه اعتقد جازما في وجوب تدخل الدولة لضمان النظام. واستمر في نفس الاعتقاد سنة
1848 حين تجاوز العمال مرحلة مهاجمة الآلات إلى ضرب النظام البرجوازي. ورغم دفاعه عن
انتصارات الطبقة العمالية إلا أنه ظل يعتبرهم "رعاعا" مستلبين من لدن
"مشاغبين عديمي المسؤولية أنتجتهم العاصفة". ولم تتغير نظرته قط عندما ناشد
الجماهير بإنشاء حزبهم الخاص والمستقل سنة 1862 ، ولم يفرق بين مناشدته هذه وهدفه الأساسي
: "أن يكون هو على رأسهم". لقد كان العمال كتلة ضعيفة وعليلة بينما كانت
الدولة قوية وكان بإمكانها أن تحقق "لكل واحد منا ما لا نستطيع أن نحققه لأنفسنا".
وأحس لاسال بضرورة "تزعّم" الجماهير فهو المسيّر وهي المستمرة في العمل و
ستعمل على ترشيحه لمجلس البرلمان. يقول في شأنه ماركس "إنه كان يتصرف كدكتاتوري
عمالي للمستقبل مستقيا عباراته من القاموس الماركسي". فقد حل إشكالية الأجر ورأس
المال " ببساطة و تلاعب". وبذلك كان على العمال أن يتحركوا من أجل المطالبة
بالاقتراع المباشر وأن يرسلوا إلى مجلس البرلمان أشخاصا مثله "يتوفرون على السلاح
الأبيض، سلاح العلم". وبعدها سيؤسسون ورشات عمالية ذات رأسمال مدعم من الدولة
و بعدها ستنضم هذه المؤسسات شيئا فشيئا إلى البلد كله ... إذا كتب ماركس كل هذا فليس
لوعيه بالمؤامرة بين لاسال وبسمارك ولكن لأنه كان متأكدا من اعتقاد لاسال في تخلف العمال.
لقد كان لاسال ضحية سراب عصره "ليس في
العلم طبقية" وهذا ما دفعه إلى الاعتقاد وبشكل طبيعي في أنه يمثل "العلم
والعامل" لأن العلم بالتأكيد متضمن في المثقف الزعيم. رفض ماركس بالضرورة هذه
"الصبيانيات" وبما أنه رفض الفكرة البرجوازية القائلة بان الفترة المعاصرة
هي فترة "العلم و الديموقراطية" فقد رفض النظرية المجردة "للعلم والعامل"
بقوله العلم متضمن في الآلة وفي الواقع كما أن الديموقراطية متضمنة في البرلمان البرجوازي.
لقد كان لحلم لاسال
في أن يكون زعيم العمال، لقاء مع أوهام البرجوازيين، وذلك ببقاء العمال في المعامل.
وقع شرخ عميق نظري وتطبيقي بين لاسال وماركس ، أكبر من الشرخ الحاصل بين البرجوازيين
الصغار والعمال. لقد أبان شعاع الفترة الفاصلة بين 1848 و 1861 عن بنية العلاقة بين
العمال والمثقفين، مؤهلا لظهور النموذج البيروقراطي، وهذا قبل أن يتسلح البيروقراطيون
بالسلطة. وعندما أماط برودون اللثام عن الفارق الحاصل بين البرجوازيين الصغار والعمال،
قبل انطلاق الثورة، أبان لاسال من جهته عن النموذج البيروقراطي بعد الفشل الثوري. لقد
كان نموذج اشتراكي الدولة هذا دليلا حيا على أنه بداخل الحركة الثورية ذاتها كان
" الحل الثقافي الراديكالي" ينتظر الوقت المناسب لخنق المُنظر غير العارف
بالطاقات الإبداعية للجماهير وكان لاسال رائدا لدولة البيروقراطي الاشتراكي المعاصر.
و من خلال هذا أصبح
واضحا لنا كيف اعتبرنا أن المنظر الأول للحزب الطليعي "كاوتسكي" كان ينهل
من نظرية لاسال. و حتى لينين كان يرجع إلى مفهوم كارل كاوتسكي الذي مفاده أن
" الأداة الناقلة للعلم ليست البروليتاريا بل المثقفون البورجوازيون". و
في هذه الفقرة المقتبسة من "ما العمل" يتحدث لينين مليا عن كاوتسكي منوها
بمكانته :" إن الوعي الاشتراكي كان النتيجة الضرورية والمباشرة لنضال الطبقة البروليتارية
إلا أن ذلك يظل خاطئا تماما ؛ فالاشتراكية كمذهب تتوفر بشكل جلي على جذور ضمن العلاقات
الاقتصادية الحالية. و بنفس درجة النضال الطبقي لدى البروليتاريا ؛ تنهج هذه الأخيرة
نضالا ضد الفقر والبؤس بين الجماهير المترتب عن النظام الرأسمالي بينما يكون قيام الاشتراكية
والنضال الطبقي عملان متوازيان ولا ينتج أحدهما عن الآخر حيث أنهما ينشآن عن أسباب
منطقية مختلفة. إن الوعي الاشتراكي اليوم لا يمكنه أن يبرز إلا من خلال قاعدة علمية
معروفة ومتعمقة (...) إلا أن البروليتاريا ليست هي حامل العلم وإنما المثقفون البورجوازيون
(كما يشير كارل كاوتسكي ) وذلك خصوصا بعقول مختلف أفراد هذه الفئة حيث ترعرعت الاشتراكية
المعاصرة (...) كما أن الوعي الاشتراكي هو عنصر مستورد من الخارج في إطار النضال عند
البروليتاريا وليس ناتجا عنه بشكل تلقائي".
هذه المفاهيم وجهت الصراع
الذي خاضه لينين ضد الاقتصاديين الذين أرادوا حصر النضال البروليتاري في المطالب الاقتصادية
أي في تشكيل النقابات. ويتفق كل من البلاشفة والمناشفة حول هذه النقطة. وبما أنه حصل
بعد ذلك الانشقاق يمكننا أن نرجع ذلك إلى الاختلاف في الرأي حول مفهوم الانتماء إلى
الحزب بين مارتوف ولينين. فبالنسبة إلى أحدهما تكفي "الموافقة" على مبادئ
الحزب وبالنسبة إلى الآخر يكفي "الخضوع لقانون التنظيم المحلي ". غير أن
وجهة نظر مارتوف قد وقع تبنيها على الرغم من اعتراضات لينين عندما حدث الانشقاق بين
البلاشفة و المناشفة. يبدو إذن وبشكل واضح أن الأمر يتعلق بالنزوع و الهوس الزعاماتي
للينين.
إن نظرة لينين إلى التنظيم
تحتوي عنصرا لينينيا خصوصيا غير مستعار من الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني فيما
يخص تعريف الانتماء إلى مجموعة ماركسية روسية. هذا الانتماء لا يمكن اختزاله في جملة
واحدة " كل عضو هو كل من يضع نفسه تحت قانون التنظيم المحلي ".وقد أسند لينين
دورا أساسيا للتنظيم المحلي فمسألة الخضوع لقانون تنظيم محلي ما يمر مسبقا قبل الانخراط
الشفوي في النظرية الماركسية والدعاية للأطروحات الماركسية ثم الحصول على بطاقة العضوية.
ومما لا شك فيه أن لينين كان يتوجب عليه اتخاذ رأي مغاير تماما لوجهة نظر الحزب الاشتراكي
الديمقراطي الألماني للتأكيد على تعريفه. ففي 1894 عندما تغلبت الماركسية على الشعبيين
الروس كان الإنتاج الرأسمالي يؤطر العمال معبدا بذلك الطريق نحو الثورة البورجوازية
و لم يتم تأطير المثقفين. إلا أن هؤلاء البورجوازيين الصغار هم بشكل أدق أكثر احتياجا
للتأطير. وهذا لم يشكل أي مشكل سيكولوجي أو ذاتي لتنظيم بسيط. يؤكد لينين بشدة على
أن المثقفين الماركسيين هم في حاجة إلى التأطير الإيديولوجي للبروليتاريين داخل التنظيم
المحلي وأي خطأ لا يؤدي فحسب إلى تقاعسهم عن تأطير التنظيم المحلي فقط بل كذلك إلى
التقاعس عن التأطير النظري بخصوص المضمون الاقتصادي
للثورة الروسية.
ومن البداية لا يتعلق
الأمر بمسألة تنظيمية "بسيطة". ذلك باختصار هو ما أجاب به لينين المناشفة
الذين اتهموه بالتصرف كديكتاتور في حين كان الجميع موحدين سياسيا. " أنا ليس لدي
ما أفسره فأنتم بالأحرى الذين يجب عليكم أن تشرحوا لماذا وبعد التصويت على الحلول السياسية
الأساسية لم تكونوا قادرين على تقبل النتائج على المستوى التنظيمي. فلا تسألوني عما
حدث واسألوا أنفسكم . اسألوها من زاوية موضوعية وسياسية عما حصل في روسيا خلال هذا
القرن. فالإنتاج الرأسمالي مهد أرضية الثورة البورجوازية بهذا البلد شبه الفيودالي
و لكن البورجوازية بدت غير قادرة مطلقا على قلب النظام القيصري. أفلم تواجه البروليتاريا
الروسية التي إذا افترضنا أنها " متخلفة " المهمة الأكثر ديمقراطية والأكثر
ثورية في التاريخ ألا وهي الإطاحة بالنظام القيصري ؟ ألم يبين ذلك أن المضمون الاقتصادي
للثورة في أحسن الأحوال يبقى رأسماليا وأن المنهج يظل دائما بروليتاريا ؟ ألم تكن هذه
الازدواجية في المضمون والمنهج مسؤولة عن تخليكم نهائيا وإبعادكم عن المسؤوليات البروليتارية
؟ إنكم في حاجة إلى التأطير البروليتاري". ولم يتوقف لينين أبدا عن الإشارة إلى
هذين الوجهين المتناقضين لكل من مضمون ومنهج الثورة. قبل 1905 لم تكن سوى نظرية و خلاصتها
المتعلقة بأشكال التنظيم التي يمكنها أن تبدو غير عقلانية. لكن ما كان في 1903 سوى
نظرية أصبحت واقعا في 1905 تم ابتكاره على
يد قوة نشيطة في كامل تطورها الذاتي وهي البروليتاريا الروسية. فالطبقة العاملة الروسية
لم تتأخر في الدخول فجأة إلى مسرح الأحداث مع إحداث السوفييتات هذه " التنظيمات
الغريبة " لم تكن معروفة إلى ذلك الحين حيث لم يتصور ذلك أي من المنظرين على الرغم
من القدرة الفكرية التي يمكن أن تميز بعضهم. هذه التنظيمات الغريبة التي لم تغط جميع
التراب الروسي تمكنت من زعزعة أركان النظام القيصري.
و قد كان القرارات شديدة
المركزة إلى درجة أن كل تململ من طرف فرد أو مجموعة في قبول القرارات المركزية كان
يعد عصيانا و خيانة. و في ما يلي يعبر تروتسكي بكل وضوح عن هذا : "ليس كل العمال
السوفييت قد فهموا أن إدارتنا قد جرت مركزتها و أن كل الأوامر التي تعطى من الأعلى
يجب أن تكون نهائية و قاطعة ... لن نتسامح مع أولئك العمال السوفييت الذين لم يفهموا
هذا بعد . سنطردهم و نخرجهم من صفوفنا و نقمعهم".
و ما يلفت الانتباه
هو أن الاختلافات الإيديولوجية للاشتراكيين الديمقراطيين ( البلاشفة الجناح الراديكالي
للاشتراكية الديمقراطية) التي لا يعتبرونها عائقا بل وسيلة لتفتح طريقا لانسجام متجدد
، كانت تتأسس على نزعات زعاماتية و حسابات منفعية و ليس لها علاقة باختلاف الأفكار
أو التوجهات و لعل أكبر خلاف ذلك الذي طرفاه ستالين و تروتسكي و الذي يتواصل إلى الآن
، حتى أن العديد من سليلي البلاشفة يتبرآن من هذا أو من الآخر أو من كليهما و يعتزون
بلينين إلى حد الإتباع الأعمى. و من خلال الفقرة التالية المقتبسة عن باول ماتيك سيتبين
أن كل البلاشفة كانوا تعبيرة واحدة رغم الصور العديدة.
" للتمييز ( التفريق ) بين حاكم الماكينة و بين الماكينة من جهة , و بين
الماكينة و الجماهير من جهة أخرى , يشير تروتسكي إلى أن الجماهير فقط و أكبر قادتها
كانوا ثوريين حقا , و أن كلا من لينين و الجماهير الثورية قد تعرضا للخيانة فيما بعد
من ماكينة ستالين التي جعلت نفسها مستقلة . رغم أن تروتسكي يحتاج إلى مثل هذا التمييز
ليلبي مصالحه السياسية , فإنه لا يوجد أي أساس لهذا التمييز في الواقع . فحتى وفاته
(لينين) – ما عدا بعض الملاحظات القليلة ضد مخاطر البقرطة و التي تعادل عند البلاشفة
حملات السياسيين البرجوازيين الطارئة في سبيل موازنات متوازنة – لم يقف أبدا ضد ماكينة
الحزب البلشفي و قيادتها أو بمعنى آخر ضد نفسه . و مهما كانت السياسة التي قُررت فقد
لقيت مباركة لينين طالما كان على رأس تلك الماكينة و قد مات و هو مصر على هذا الموقف".
" إن أفكار لينين "الديمقراطية" ليست إلا أسطورة . صحيح أن رأسمالية
الدولة تحت حكم لينين تختلف عن رأسمالية الدولة تحت حكم ستالين لأن القوى الديكتاتورية
للأخيرة كانت أعظم – بسبب انشغال لينين في بناء قوته الخاصة . واقعة أن حكم لينين كان
أقل إرهابا من حكم ستالين هذا شيء يبقى قابلا للنقاش . مثل ستالين , عد لينين كل ضحاياه
تحت عنوان "معاد للثورة" . من دون مقارنة الإحصائيات عمن تعرض للتعذيب و
القتل تحت كل من النظامين , سنقر بأن النظام البلشفي تحت حكم لينين و تروتسكي لم يكن
قويا بما فيه الكفاية ليقوم بالإجراءات الستالينية مثل فرض "جمعنة" ( الزراعة
) و معسكرات العمل العبودي ( القسري ) كسياسة اقتصادية و سياسية رئيسية . لم يكن التصميم
بل الضعف هو الذي أجبر لينين و تروتسكي على ما يسمى بالسياسة الاقتصادية الجديدة ,
أي على المساومة مع مصالح الملكية الخاصة و على الحديث أكثر عن الديمقراطية" .
لقد حذّر باكونين قبل
زمن طويل من صعود البلاشفة للسلطة في روسيا من "البيروقراطية الحمراء" و
اعتبر أنها ستشكل أسوأ الحكومات الإستبدادية. و قد كان هذا صحيحا تماما فقد أصبحت روسيا
تحت حكم البلاشفة و من اليوم الأول أكبر جهاز للقمع و الإعدام. و قد كانت أكبر عدو
للإشتراكية حيث قام لينين وتروتسكي بتدمير كل أشكال الإشتراكية الحرة و خربوا السوفييتات
رغم استيلائهم على شعار "كل السلطة للسوفييت". حتى أن تقبلهم لبعض التنظيمات غير البلشفية في الأيام
الأولى من استيلائهم على السلطة لم يكن لميولهم "الديمقراطية" كما يؤكد تروتسكي
بل كما يقول باول ماتيك " من العجز عن تدمير كل المنظمات غير البلشفية دفعة واحدة
. فالصفات التوليتارية ( الشمولية ) لبلشفية لينين كانت تتراكم بنفس معدل نمو سيطرته
و سلطته السياسية . أما أن هذه الصفات قد فرضت على البلاشفة بفعل النشاط "المعادي
للثورة" للمنظمات العمالية غير البلشفية , كما يقول تروتسكي فإن هذا لا يمكن بالطبع
أن يفسر زيادتها التالية بعد سحق المنظمات المختلفة التي لم تكن على توافق معهم . و
لا يمكنها أيضا أن تشرح إصرار لينين على فرض المبدأ التوليتاري نفسه في المنظمات غير
الروسية في الأممية الشيوعية" .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق