لا يتوانى معتنقوا العقائد المختلفة و خصوصا ذوي النزعات الشوفينية و الفاشية
في مهاجمة اللّاسلطوية دون تقديم أي نقد موضوعي. و تُختزل هجوماتهم على مجموعة من
الأوهام و المزاعم و لا يجدون أكثر من نعتها "بالطوباوية" و في الآن
نفسه يحن فريق منهم إلى "مجتمع محمد رسول الإسلام و خلفائه" و فريق
"يحلم بوحدة قومية من خلال فوز سياسي" و فريق آخر "يردد أنه سيحقق إشتراكية عبر معجزة برلمانية".
أما المجموعات الليبرالية التي تنظر للمشاركة البرلمانية فتتجنب دائما
القيام بنقد مباشر للّاسلطوية ، لأنها تعرف تمام المعرفة أنها لو تقوم بذلك فإنها
ستهدد أو لنقل ستهدم أسطورة الديمقراطية الليبرالية. و لذلك فهي تستعمل دعايتها
الهائلة و الشديدة الاتقان لتشويه الاناركية و تزييفها حتى أنها تصورها مساوية لكل
المجموعات التي لها امتدادات لتيارات إديولوجية ماركسية متجاهلة هجومات تلك المجموعات
السلطوية على الأناركية و تتمادى إلى أكثر من ذلك حيث تشن هجوما عنيفا في بعض الأحيان فتصور
الأناركية على أنها أشد وحشية و عنفا و تطرفا من الستالينية و الماوية و حتى
الفاشية.
حتى الديمقراطية الليبرالية إذن لا توجه نقدا موضوعيا و السرّ وراء كل هذا
ليس مخفيا فالنزعات السلطوية المرضية هي محرّك كل هذا العداء.
و حيث أننا فسرنا في نصوص سابقة أسباب هذا العداء خصوصا عند "الماركسية
اللينينية" فإننا في ما يلي سنحاول كشف أسباب الديمقراطية الليبرالية.
فكغيرها من السلطويين لا تملك الديمقراطية الليبرالية أي أسباب موضوعية
للدفاع عن موقفها المعادي للأفكار الأناركية. و لكنها تختلف عن غيرها حيث تستخدم
جملة الأفكار اللاسلطوية للدفاع عن الحرية و قد تعترف أحيانا (بل كثيرا ما تعترف) أن
الشكل البرلماني ليس ديمقراطيا أصلا و تسعى جاهدة لإيجاد سبل أكثر ديمقراطية
بالنسبة لها، فتارة تنادي "بالديمقراطية المباشرة" أي البناء من أسفل
إلى أعلى (حسب فهمهم طبعا) و تارة بانتخاب أفراد و ليس قوائم ... و لكن كل السبل
لا تعدو أن تكون إلا غطاءا لديكتاتورية "الديمقراطية البرلمانية" فمهما
تكن هذه العملية نزيهة و نظيفة فهي في الأخير تعطي لأقلية الحق في حكم الأغلبية و
ستقف هذه الأقلية مدافعا شرسا عن القوانين و الحقوق الدستورية التي ليست أكثر من
قيود و جدران حول الحرية.
كما أن الليبراليين يرفعون شعار تحرير الاقتصاد و العمل و يعترضون على أي
تدخل للدولة و لكن في الحقيقة من يسيطر على الاقتصاد هم الاحتكاريون من الشركات
العملاقة أو الدولة. و يتحدثون عن المبادرة الحرة و المنافسة و في نفس الوقت يضعون
شروطا و قيودا لكل شيء. للحرية التي منها اسمهم يبنون ألف جدار فلو حاول أي فرد أن
يستعمل في تعاملاته عملة يختارها بنفسه فستظهر أصولهم المحافظة بشراسة. لقد أشرت
للحرية الفردية في اختيار العملة لأن ذلك يحيل إلى إمكانية وجود الاشتراكية الحرة
لو يختار البعض التعامل بالتبادل و المقايضة التي تعكس قيم العمل الفعلية. و هنا
سيقع تنافس حر بينها و بين الرأسمالية و سينتهي بتدمير الرأسمالية و زوالها. فلو يتوفر
للاشتراكية الحرة مجال حرٌّ من سيبقى راضيا باستغلاله ؟؟؟ لهذا السبب بالذات تتعرى
الديمقراطية الليبرالية حتى تظهر أفكارها المحافظة أكثر من المحافظين فتراها معارضة
شرسة للاشتراكية السلطوية "إشتراكية الدولة" ( ليس لهذا علاقة بدعاية
المعسكر الشرقي و الصين و كوبا من أنها دول اشتراكية) كما تجرّم أي نزعة إشتراكية
لادولتية أو تكبلها بالقوانين المجحفة. و هنا لا نفهم لماذا يصرّون على إرغام
الجميع على أن يحبوا الدولة ؟ الأناركيون لا يحبون الدولة و الأناركية لا يمكن أن
تكون غير قانونية لأنه بكل بساطة لا يمكن لأي قانون أن يجبر الناس على حب الدولة حتى و إن أوغلتم في زيفكم و ريائكم مثل وصف
الدولة بالوطن.
إذن الديمقراطية الليبرالية لا تعتمد في هجومها على الأناركية إلا على ما
يسوقه الفاشيون و الشوفينيون من افتراءات غير موضوعية و نادرا ما تقدم نقدا مباشرا
و هذا سببه سلطوي بالأساس و هذا راجع للطبيعة التسلطية لهؤلاء المحافظين الذين
يستخدمون إسم الليبرالية ليكذبوا حول انفتاحهم على الحرية أكثر من الاشتراكيين، و
لكن همّهم الأساسي هو منع الدولة من أن تحشر أنفها في شؤونهم. فكلما توسعت قاعدة
اللاسلطويون و كلما انتفضت الجماهير من أجل العدالة الاجتماعية و الحرية حتى ينكشف
لونهم المحافظ جدّا.
إن حجج هؤلاء ضد ما أسميه بكل حذر "شيوعية الدولة" قد تكون
تحررية و لكن حججهم ضد اللاسلطوية تسلطية
و تكشف حقيقتهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق