بسبب الحرية السياسية في أي مجتمع هناك ازدياد
لمفهوم الإنسان لدى المرء و كلما زادت هذه الحرية زاد الظمأ. فالحرية الواقعية لم
يمكن لها التزايد بقدر تزايد وعي المرء للحرية. و من هنا نستنتج أن التمرّد هو
مسلك الإنسان الواعي بحقه في الحرية. و لكن لا شيء يسمح لنا بالقول إن المسألة هي
مسألة حق الفرد فقط. حيث أنه بفضل التضامن تُصبح المسألة مسألة اتساع الوعي بالذات
المتزايد من خلال الحركة و الاحتكاك و المغامرة.
في الواقع إن المرء المتدين أو المرء المروض بالخوف
من التقاليد لا يطرح على نفسه مسألة التمرّد، لأن المشاكل محلولة بالنسبة إليه في
التقاليد و النصوص المقدسة. فكل هذه المراجع المقدسة بالنسبة إليه تحمل إجابة لكل
مسألة يطرحها بنفسه أو يطرحها الواقع أمامه.
عالم المقدسات لا يمكن أن نجد فيه مسألة التمرد لأنه
أعطى جميع الأجوبة دفعة واحدة. هكذا ماتت الأسطورة و ولدت الميتافيزيقا. و لم يعد
هناك تساؤلات بل أجوبة و تفسيرات خالدة غالبا ما تكون ماورائية. و لكن ألا يمكن أن
نعتبر أن الإنسان قبل أن يدخل عالم المقدسات تساءل و تمرّد؟ إذن الإنسان المتمرّد
موجود قبل عالم المقدسات و بعده. فهو ذلك المنهمك في البحث عن مسلك بوضع إنساني تكون
فيه جميع الأجوبة إنسانية أو لنقل منطقية.
إعتبارا من هذا يكون كل تساؤل و كل كلام تمرّدا. و
لكن في عالم المقدسات يكون كل تساؤل مسّ بالمقدس و كل كلام حمدا و شكرا ليس أكثر.و
من خلال هذا يتضح لنا أنه لا يمكن أن يوجد بالنسبة للفكر البشري سوى عالمين، عالم
المقدسات و عالم التمرد. إن اختفاء أحدهما معناه بزوغ الآخر. و ظهور العالم الجديد
يجري بأشكال عفوية حرة خالية من كل تخطيط.
إن ظهور أو تشكل بعض نواتات التمرد الآن مردّه أن
مجتمعات بأسرها تريد تخطّي عالم المقدسات فنحن نحيا في طور نُزعت عنه القدسيّة. لا
جريمة أن يكون الإنسان متمردا لأن الواقع يضطرنا إلى الإعلان أن التمرد هو أحد
أبعاد الإنسان الأساسية. إنه حقيقتنا التاريخية. علينا إذن أن نجد فيه قيمتنا
بعيدا عن القيمة المطلقة و لا نهرب من الواقع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق