الأحد، 26 مايو 2013

الجسد الغائب (2)


دخل البناية الزرقاء و صعد السلالم متباطئا لا يكاد يرفع ناظريه عن مواضع قدميه و كأنه يعد درجات السلم. و حين وصل باب المكتب أسند ظهره إلى الحائط. و ألقى عقب السيجارة و تنفس بعمق كأنه يقف في العراء.                    
عبر الرواق المؤدي الى غرفته و وضع الحقيبة و فتح النافذة و جلس أمام شاشة الكمبيوتر يرتب عمله اليومي و يتصفح مواقع الأخبار عن السياسة و المضربين و المعتصمين و الموقوفين و المفقودين...                   
تابع دون حراك حتى اعترته علامات التأثر و الانتماء و لكنه يعرف جيدا أنه أضاع الخطوة. غطس في متابعة الأحداث و استلقي بجسده على حياته كلها ليستطيع أن يزأر غاضبا في نفسه و لكنه لا يسمع سوى الصمت.                                               
علت أصوات في الشارع فنهض من كرسيه و أطل عبر النافذة. شاهد جمعا يخرج من المقهى يركضون خلف صبي ممتلئين رغبة في القفز عاليا و لعق الدم. جرى الصبي حتى تعثر و انزلق فأدركوه و انهالوا يدوسونه و تكدس فوقه أحدهم يـمزّق ملابسه و جلده حتى سال دمه صائحا "يا سارق. يا ابن الحرام". ثم قام و ركله على رأسه. و انفضوا من حوله و تركوه يتعذب من جراحه و من احساسه بضعفه و ضآلته.                      
 علت وجهه علامات الغيض و الغضب و لأول مرة منذ زمن بعيد بدا عليه رفض كل ما قد يبدو منطقيا عند الآخرين و أطلق صوته في الفضاء صارخا :                              
"لا تريدون سوى أن نوغل في الوحشية حتى نموت بين الحوافر و النسيان أو نذوي بين الدعوات و اللعنات و غياب الغد".        
تردد صدى كلماته في الأفق و استدارت الأعناق صوب مصدر الصوت فلم يروا أحدا إلا النوافذ فاتحة أفواهها لهم. ساد الصمت على مجموعة الايول البرية التي كانت تعيد تصوير المطاردة بسخرية   و جال في خاطرهم :  "لماذا أتى هذا الصوت زائدا عما نريده".    
عاد إلى الداخل و تناول مجموعة من الملفات أمامه يتفحصها و يعمل عليها حتى مرت أكثر من ساعتين. بلغ منه التعب مبلغا فقام من مكتبه و تمدد على الأريكة مطلقا ناظريه نحو السقف و تبدلت ملامح وجهه القاسي و أصبحت أكثر دهشة و حيرة فما شهده اليوم قصف وعيه و ترك علامات لا يمكن محوها عن كيفية تحويل الشحنات الانفعالية إلى عمل. كان يعرف أن الواقع قد تغير و العالم يتحول و يتبدل و التاريخ ينسف عقودا سياسية و يبني علاقات اجتماعية جديدة. و أكثر شيء كان يعرفه أن كل هذه التغيرات تتم في غيابه. كما يعرف جيدا أن المنطق القاسي لهذا العالم يفرض عليه بنيته الجاهزة و اختزالاته الخانقة و هو لا يستطيع أن يبدل مجراه أو ينحرف عن الطريق التي قطعها كي يصل الى المكان الذي هو فيه الآن.                             
 أحس بالحيرة تثقب وعيه و تبدل المخيلة العذراء التي شكلها و سرى فيه التباس يقصف القيم المتراكمة و كل الأساطير و قصص الأبطال. و أيقن يقين الأنبياء أنّ لا شيء قد يبدل هذه الحال. و أنّ كل محاولة لاختزال القسوة في هذا العالم الملتبس قد فقدت القدرة. فما شهده اليوم لا يعد إلا مشهدا متواضعا ممّا يتعرض له من قصف يومي لوعيه و لكن أثره كان أكبر. ظلت صرخات ذلك الطفل الموجوع و لونه الشاحب كأشواك تخز عجزه. و لون دمه الأحمر المتدفق من جسده الجائع كالأفاعى تزحف نحو ذاكرته تستفزها حتى تبدلت ملامحه و تجهم قلبه فاستوى على الأريكة جالسا و مد يده ليأخذ سيجارة، أشعلها و ظل ينفث الدخان بعنف في كل الأرجاء و يتابعه بعيونه الدامعة من هول ما رأى أو من قسوة ما تذكر أو فقط لأن الدخان دخل إليهما.                
كان صبيا مجنونا و طائشا. يمقت الطرائف و المغامرات. لا يكترث للغرابة التي يعتنقها و لا لمواقف الآخرين. فالمهم لديه أن تكون أفكاره الصغيرة مرضية في سياق بحثه و أن تكون مواقف الآخرين مدغدغة لكسلهم.                                 
 كان حاد الانظار و قاسي القسمات. و أطرافه الهزيلة تمتد حول جسمه المتناسق و هو يسير في الطريق إلى المدرسة مرسلا ساقيه بغير هدي متغافلا عن الحذر مادّا أبصاره إلى الذُّرى و مطلقا يديه ليسند راحتيه إلى الفضاء. و أنفه الصغير منجذب إلى رائحة الأرض الندية. و أسماعه مفتوحة على الأغصان الهامسة و على غناء العصافير. و بحسه الطفولي العذب يسلم نفسه لنظرات الشمس الدافئة و ألسنة الأمل المتدفقة من السماء حتى يمكنه اختزان الثقة و الحلم.                                      
كان متقد الذكاء و شديد التيقظ و واسع الخيال. يحلم أن يصعد فوق قمة الجبل و ينطلق محلقا في الفضاء مثل الطيور أو إن أمكنه يبلغ السماء و لا ينزل من جديد مثل الأبطال الذين طالما حدثته جدته عنهم.                                                        
عاد الى مكتبه و ارتمى في حضن الكرسي أمام شاشة الكمبيوتر. و استمر يحدق فيه لوقت طويل و كأنه يكلمه ثم أشاح ناظريه عنه و هو يتمتم "أنا قليل بذاتي كثير بكم" . لم تكن كلماته غريبة فهو يريد أن يكون فاعلا في نظر ذاته و في أنظار الآخرين و لكن ما يعوزه هو قلة الجهد.                            
وقف ينظر إلى الشارع عبر النافذة. و استبدت به رغبة في أن يمزق ملابسه بأسنانه و أن يمتلك مخالب ليسلخ جلده حتى يسيل دمه. تنهد بعمق حين أدرك أنه يتطلع إلى ما لا يدرك و اعترف لنفسه بضعفه حتى يتجاوز إلحاحها و خاطبها قائلا :                
" الثّائرون يحاولون انتزاع العالم من العالم و يحولون انفعالاتهم الى عمل دون أن تقوى أجسادهم على أن تكون أرواحهم " .          
و امتلأ رغبة في أن يقفز عبر النافذة ليلتصق بالأرض و لكن الصوت الخافت يهمس في أذنيه :               
" إن الأرض لا تقبل قربانا إلا من الجائعين الغاضبين فترتوي من دماءهم  لتروي جذوع الشجر أساطيرها بشغف لكل العابرين".   
و من شدة إعيائه ثنى ركبتيه و تكدس على حافة النافذة و لم يقطع نومه سوى إحساسه بالليل فرفع ناظريه إلى السماء فلم ير غير القمر يراقبه بازدراء و قد ساءت نواياه. فأخذه الغضب و همس له:
" لا أرى فيك غير ناسك مملوء بالشهوة يتمنى لو يشارك كل الناس لذات أحلامهم " .                                 
 استدار  و وقف تاركا إياه خلف ظهره. لم يفكر ساعتها بشيء سوى بطعم الماء. جمع بعض الملفات و وضعها داخل الحقيبة و التفت للنافذة يغلقها مختلسا نظرة إلى القمر فوجده كما تركه فضوليا لا يتوقف عن التحديق.                
سار في الرواق حتى وصل إلى الباب فجذب الكوة و خرج يعدّ السلالم مغادرا. و ارتمى في الشارع مطويا على نفسه كأنه يحاول أن يتوارى عن الأنظار. لم يبحث عن سيارة أجرة كعادته بل واصل يحث خطاه مجذفا في بحر الذاكرة.                  
توقف خفقان قلبه و هو يرى التوهج في عيني جميلة و هما ترشقانه بنظرات مسكرة و يداها الصغيرتان تلوحان له تحفزانه على الوثوب. نظر إليها و أذناه مفتوحتان على قدميها و هي تنقر بسحر على الأرض و ضفائر شعرها السوداء تتطاير في كل الانحاء راسمة أعذب موسيقى تستدعيه للرقص. قفز مملوءا بالشهوات و الشرود يتبعها على مسالك الحب بين الأشجار المتلألئة حيث تتراقص أضواء القمر الذهبية.                                           
وقفا عند حافة الوادي و قد شعرا بالإسترخاء و هما يسرحان أنظارهما على الحقول الخضراء الراقدة وسط السكون المنعش. أدار أنظاره حوله كأنه يريد التأكد أنهما وحدهما و مد يده حولها. نظرت إليه مبتسمة و هي تعبث بضفيرتها ورفعت عيناها إلى القمر و هي تغني. و انطلقت الأنغام شجية تخترق سكون الفضاء باحتراس مملوءة بالحب و الأمل و لكن شيئا من الدموع الحزينة ينز بين حين و آخر.                              
ظل يستمع إليها و يضمها إليه كضوء القمر يضم المحيط الجميل حتى بدا كقطعة من الحرير الشفاف اللامع. و كان قلبه يعتمل بأشياء يريد قولها. ولكي يخفف ضغطه أطلق تنهيدة ثقيلة تلتها صيحة عالية ارتطمت بجرف الوادي و تردد صداها. توقفت جميلة عن الغناء و قالت و هي تضحك :                              
- لديك صوت جميل لما لا تغني معي؟                           
فأومأ برأسه خجلا و انطلق يغني معها أغنية قديمة.         
و بدت السماء رمادية حيث اختفى ضوء القمر خلف الغيوم و أصبح كل شيء ساكنا إلا من وقع أقدامهما على الأرض و هما عائدان إلى البيت.                                                  
 " اغفري لي كل الثرثرة الحائرة يا جميلة لقد كنت طائشا و أحمقا بشكل لا يغتفر.                            
البارحة رأيت نفسي و اياك في الحلم :                  
كان لنا جناحان عظيمان أكبر من عواطفي.          
كنتِ أجرأ من أفكاري و كان صدري أوسع من الكون لدرجة أنه لا يتسع لأحد غيرك.                      كنا نحلق و نمضي بعيدا إلى خارج العالم حتى اقتربنا من السماء و كل ما تحتنا قد غاب.                     سألتني : هل الكون صغير الى هذا الحد ؟                 
و أجبتك : إنّ هروبنا هو الكبير.                  
و اختفى كل العالم حتّى الجناحان.
و لكنّنا بقينا ملتصقين نحلق في الفضاء.                         
 فقولي لي يا جميلة كيف لنا ألّا نكون لكي نكون؟         
اشرحي لي كيف للحب أن يقتل أو يذيب ذاته و هو معذب بائس ؟                         
تمنّيت لو أحتضنك يا جميلة حتى يظهر مكنون قلبي و يعلم كل العالم أنه لا يجب أن نخرس و القلب ينبض في صدورنا.
و أسأل نفسي دوما كيف يتعذّر عليّ الحديث إليك بقلبي و أنت أشبه بروحي؟ فيشتدّ اضطرابي و تضيع أفكاري و كلما أحاول التخلص من ذلك أصبح ثرثارا حائرا ".         
توقف حسن عند بناية ممتدة كالبرج. ترتفع في الفضاء كالعزلة. حينها فقط انتبه أنه قطع كل الطريق سيرا على قدميه. لم ينتبه للمشقة و التعب مثل البناية التي تنتصب و لا تشتكي من الشقوق المشرعة و هي تمتد بين أكوام الحجارة و الاسمنت متنكرة كما يستر نفسه بين أكوام الحشود.                            
أشفق على نفسه التي أصبحت مهملة متروكة و علت وجهه تعابير قاسية غير معتادة. و صعد سلالم البناية حتى بلغ الطابق الذي يسكنه. فتح الباب و دخل متأوها متعبا من طول الطريق و ارتمى على أريكة وسط الغرفة و رغم التردد الكامن فيه قال "لا" كما تقول العاصفة و آوى مستسلما للكرى.                    
رأى في المنام ذلك الطفل الصغير يأتيه بجسده الجائع و هو يرتعش من البرد أو الخوف و يرفع بيديه النحيلتين سكينا كبيرة و يصرخ. خرج صوت يئن من بين شفتيه الجافتين :                         
               
" أنا إبن الجحيم و أقل العالمين حظا ...                     
سحقا لحظي المجنون لم يشأ لي إلا أن أولد في أشد العائلات بؤسا و في أشد الاحياء بؤسا و في أشد البلدان بؤسا .   
سأسجل على جدران الصمت إعلاني فهذا زمان الخروج عن الطاعة. سأكف عن أن أكون مثلما يريدونني أن أكون.
سأكف عن أن أكون مسكينا في عيون الكذابين المدعين الرحمة لينالوا الامتنان.                         سأطلق يدي تنهش كل الجيوب و سأوقع الاذى أينما أمرّ.
لطالما علّمونا أن الرذيلة في اقتراف الخطيئة مهما صغرت و علمونا كيف نصرف وحي الشهوة الشيطاني. و لكن قسوة العالم تعلمني أن الفضيلة في إتيان الخطيئة أكثر الاحيان فشهوة الجوع لا تنصرف و ليس لها ذنب لنستأصله.       
سأطلق يدي لأفرغها من الاحتقار.                    
سأقفز فوق خطوط الأبعاد فلن يكون هناك فوق أو تحت بعد الآن.         
 ليس هناك إلا أمام و خلف و لن أكون إلا في الأمام....
في الأمام...                          
سأقفز فوق النهي الوهمي و فوق الاضطراب المزعج.        
سأتخلّص من عجزي الصامت و أعلن عن نهاية الضعف و الضآلة.
أنا ابن الجحيم و أقل العالمين حظا...               
أنا ابن الجحيم و أقل العالمين حظا... إني ناي حزين و دموعي كل أنهار العالم و المقالع و المصانع و كل ما تشربون و تنهشون...                               
أنا ابن الجحيم و أقل العالمين حظا و أوجاعي عميقة و لكن لا تشفقوا عليّ فأوجاع العالم أعمق " .                       
و لوح بالسكين عاليا و انطلق يشق عباب الفراغ.        
أخذته رجفة و قفز من نومه يدور حوله و يصيح كالمجنون :       
أين أنت ؟ إنتظر...                                                
تراخت عزيمة حسن و انطرح على أرض الغرفة من شدة التعب ، لقد سئم كل طريق و كل هدف ففي كل خطوة لا تكف حياته عن رشقه بالسهام من كل جانب و تلتف الخيالات حوله تمتص دمه و الأيام الخبيثة و الرائحة المتعفنة تزحف تثير غثيانه و حتى سقف الغرفة لا يكف عن التحديق إليه و لعابه يسيل يريد أن يسقط عليه حتى يتغلب على تعبه. أرسل نظرات ازدراء فتناقصت الأشياء حوله و ازداد ارتفاع السقف حتى غاب تماما.
 كانت السماء صافية و النجوم تسبح متلألئة في الفضاء و القمر يشع بنوره العذب على الأرض التي تحتضن أطفالها و ترقد في الدفء و أصوات نباح بعيدة تقف حارسا من كل غريب. و جدته تحتضن أحلامها و أيامها مستسلمة للنوم.                 
أما هو فقد كان يتأمل الجمال المتناسق الذي يقذف من بطنه كثيرا من الأسرار فيوزّع الأمل مجّانا و يُقوي العزم. لقد اقتبس صفاته من كل ما حوله حتى صار الصمت في عينيه يقرأ أغوار الروح. فرك عينيه و استمع للشجرة التي تمتد أمام البيت تناديه. نهض مسرورا و تقدّم مادّا يديه حتى توارى خلف جذعها العظيم.       
 تململ في مكانه يتلذذ أوجاعه. لم يتعود أن يشتكي ممّا آلت إليه حياته ، كان حزنه يدفعه إلى الانسحاب حتى صار كل شيء رفاتا و أقذارا. و لكن كلمات ذلك الصبي التي تتردد أمام عينيه حدّثته بلغة يتقنها. فأطلق تنهيدة خرجت مدوّية كالعاصفة دفعت كل الألم الثقيل و أقنعت نفسه بالخروج عارية مقبلة على العطاء. انتفض قائما يرسل نظراته الى السقف فإذا بكل شهواته في السقوط عليه تختفي. دار في الغرفة و عالج صندوقا في الزاوية فخرجت منه نغمات حثت أذني قدميه على الرقص. تمادى في الرقص و أطلق ساقيه في مجالات السماء حتى ملك حكمة الطيور.                        
 امتلأ قلبه الصغير سرورا و هو مرتميٌ على ركبتيه يمسك بيد جميلة و ينظر إلى عينيها و اضطربت روحه و جعلت تدور محاولة تحريك لسانه. ضحكت جميلة فأحسّ بالأرض ترتعد تحته و تقذف كرات النار في روحه. فسرت في عروقه غبطة المستكشف تدفعه أن يشق البحر و أن يطلق جناحيه في مجالات الفضاء و صوته للغناء. انتفت كل الأبعاد و لم يعد لديه شعور بالجاذبية و أحس بلهفة فاتنة تدفعه إلى صدرها و لم يفق من ذهوله إلا حين أحس بالبلل.                                             
توقف عن الرقص و قد تبلل بالعرق فمشى ليغتسل و يأكل بعض الطعام و عاد و قد انتصف الليل ليخمد إلى فراشه. فتح النافذة فلفحه هواء بارد و وقف عندها ينظر إلى الأفق بصمت كأنه ينتظر مسافرا أو كأنه يتعجل بزوغ الشمس حتى يسبغ روحه بانفعالاته المثقلة و يمحو المرارة التي تكدست على فؤاده.    



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق