قد ندهش حين لا نجد "شيخا أو داعية" مشغولا بجمع ثروة أو الارتقاء
إلى منصب. قد ندهش أيضا حين لا نجد "شيخا أو داعية" يستمتع بكل ما يسنح
له متحلّلا من كل القيم. إن كل هؤلاء (وهابية جهادية، وهابية علمية، مهدية، إخوان
... ) لا يضعون نظرية حول تحللهم من القيم بل يفضّلون في كلّ فرصة تقديم آيات
التكريم للفضيلة. و هم بذلك يناقضون أنفسهم في تحديهم للمجتمع هذا التحدّي الذي في
حدّ ذاته محاولة لتأكيد القيم.
أمّا أتباعهم فمستعدّون للمضي للمشنقة و تقديم رؤوسهم في سبيل زعمائهم
المتحلّلين من كل القيم و الذين يتخذون العقل الضيق عقيدة جوهرية و لا يؤمنون بشيء
إلا المصلحة الذاتية.
هؤلاء التابعين لا يزال وعيهم يحيا في مرحلة الدهشة و الحيرة. فشعارات
الثورة هي حقيقة مطامحهم. و لكن مرارة الواقع تطبع آثار الجَلد في وعيهم و تترك
علامات لا يمكن محوها إلا بتحويل الشحنات الانفعالية إلى عمل. و في خضمّ كل هذا
يكتفون بمشاهدة العالم يتحول و يتبدّل و يعلمون بشدّة أن كل تلك التحولات تتمّ في
غيابهم. و يظل وعيهم الفتيّ يحسّ بالشك و بالحاجة للإيمان و لكن بُعدهم و تخلّيهم
عن الفعل في الواقع يدفعهم نحو تشدّد الإيمان و هواه.
و رغم كل ذلك يظل هذا التناقض في داخلهم فعشق الطرائف و المغامرات علامتهم الفارقة
لذلك لا يكترثون لغرابة العقائدية التي يعتنقونها. المهم في نظرهم أن الفكرة كليّة
و آسرة في نفس الوقت و مواقفهم مدغدغةً و مرضيةً سائقة لتحقيق الذات لديهم دون أن
يعوا أنه من خلال كلّ هذا يتجاوزون ذواتهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق