اليوم و بعد أن هاجمني
أحد "المناضلين" من الجبهة الشعبية دون موجب، حاولت البحث في الطبقات الاركايولوجية
التي شكلت الوعي الذي أفضى بي إلى كل هذا التصعلك، و جعلني منحرفاً عن ذاتي، منحرفاً
عما يُظن أنني أجسده و يناشدني من كل الجهات. وجدت نفسي واقعاُ في شبكة محكمة من العلامات
التي تردني من الحياة، من المدرسة، من الشارع، من السياسة، و من الحماقة التي تصارع
روحي الصغيرة طوال اليوم، وجدت الكذبة تندرج في قاطرة أفكاري، في مفاهيمي، في سُدى
أفعالي و تلاحقني في آخر معاقل وعيي، لتشكل بكيفية ما رؤيتي الثانية للعالم...
إلا انه و في نهاية
الأمر، فهمت باستقراء عقليّ أنّه وجب عليّ الترفع النبيل عن توجيه أيّ لوم أو الإنخراط
في الغضب من سياسيّ الدرجة الثانية. فلسان حال الواقع يعلن قائلاً: “يمكن للمرء أن
يكون عدماً و بطلاً في آن. إذ يكفيه الانخراط في نادي الإنتهازيين، فهذا الانخراط يريحه
من كل جهد و يعفيه من كل موهبة. و لو شاء له حسن الطالع أن يُسجن شرط أن يخرج بطلاً
مجيداً لأصابه أعظم الانتصارات، فالسجن يغدو تمهيداً و مدخلاً لكل بطولة و يغدو الدكان
الذهبي لكل نجاح اجتماعي و سياسي".
و في ظل هذا الفضاء
الطافح بالأبطال، و في إجراء يشبه إلى حد بعيد عملية الكيّ، و بعد أن أتعبهم
"النضال" و أضعف جهازهم المناعي، ها هو الفيروس السلطوي يظهر بشكل طاعوني
و ينتج نفسه من خلال طفرات إنتهازية و مقاومة و مقدسة في آن واحد.
غوائية السلطة مرئية
حتى في اظلم أزقة مساربهم، لا يستطيعون الإفلات من عقالها، يغرقون فيها و لا يتوانون
في الكذب على شبابهم و تابعيهم، و يحدثونهم عن الثورة و النضال و المقاومة و لكن بأشكالها
الأكثر خواءً ، فها هم ينخرطون "عسسا" على النظام "الشيطاني" و
يرغمون قوائم شبابهم على الدخول في مغامرة غريبة عن علة و جودهم، يحرقون فيها أجنحتهم.
لاعجب من هذا اليساري
أن يهاجمنا فبحكم كونه ينتمي لأديولوجيا لم تعد مقبولة پسيكولوجياً، كما أنها لم تعد
مفيدة اقتصادياً قد اضطر للتحصّن في أصدافه متروكاً مهملاً يقاسي اشد الاختلالات الپسيكولوجية.
و شعوره بالعجز الشديد عن تغيير واقعه بل حتى عن الحلم بتغيير واقعة جعله يستجيب لأي
تحرك ينفس فيه عن حنقه و يأسه حتى لو كان الخروج مع جلّاديه. إنه في موقفه اليوم كمن
يعلن توقف المطر لأنه في حاجة شديدة للخروج إلى الشارع. فيساره يبحث عن قوة مناسبة
يضعها في موكبه ليُحرج النهضة و لا ينزعج لو تكون حتى من المستبدين الدمويين الذين
يلبسون لباس "الأمن الجمهوري".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق