الأحد، 26 مايو 2013

الجسد الغائب (1)


كان يسير على سكة القطار يتجفّف في أفظع ظلمات العالم. بدا ضائعا حد الاهمال كالواقف أمام عصابات الإعدام وجها لوجه. إذ لا غد له بعد اليوم في أحبولة الجحيم الغنائية. أحس بالاختناق و لم يقدر على الصراخ. فالصراخ أنشودة الاذعان ، و هو بكامل الاستعداد للرحلة و لا يريد أي سلوك رخيص آخر. أطلق ناظريه إلى السماء نحو غيوم الغروب الوردية فوجدها لا تكف عن الرقص من شدة الملل و الاشمئزاز. و الشمس تداعب الجحيم و تستوي في اللهب الأرجواني الذي يحتويها. و المرآة المنعكسة أمام ماضيه تنهال عليه بالضرب و الطعن. و هو منغمس يبحث عن مسلك للفرار عبر السماء المزيفة. و يتجول في جنة الحزن المتجدد باستمرار. و يضحك ضحكات فظيعة و هو يجمع الجسد العزيز الملطخ بالدم.
لم يكن في الشوارع إلا القليل من الناس. و المحلات ساكنة و أبوابها مغلقة . و الظلام يبصق الأجنحة الثقيلة على المدينة المبللة. و المصابيح تشعّ من فوق الأعمدة تلتهم الظلام و تبصق الريش. وفي الأثناء دوت صفارات القطار حادة و مؤلمة. و تعالت صيحات الناس على مسافة بعيدة مرتجفة فزعا من حماقته.
توافدت جموع من كل صوب إلى الساحة و تراصت  بين رقع ضلال الأشجار المتناثرة بغير تنسيق على جنبي الطريق محتمية من لهيب الشمس الحارقة. أينما تحوّل النظر لا ترى إلا التكرار المضجر للصورة. كل الاشياء تتكور في حلزونيات مبهمة من اللاشيء :  ضجيج و أحاديث و توقعات و دعوات ولعنات و تذمر.
طال الانتظار فأصبح للمشهد جاذبية جديدة أبطلت فاعلية الحر الشديد و الاحساس باللحم الحي.                       
بدأت رحلة نزول الشمس عن كبد السماء. و الوقت لا يرافق احساسهم.  ظلوا مأخوذين بالخوف و التشنُّج. و عزائمهم تتراخى من التذمر. و خميرة العرق تفعل فعلها فيهم حتى شعروا بالانكماش و بتسرب أرواحهم.                       
كان يقف حاجزا مكانا في أعلى سلّم النجاة من الخوف و التشنج و التذمر. و لكن انعكاس الاشياء يمكر بشعوره فيتعذر عليه تجنب الادعاء. ابتعد عن الحشود فقد ضاقت الساحة و هم يصعّدون الغبار وأعاصير الدخان من اشداقهم. و زاد الجو اختناقا بأسراب الذباب و رائحة العرق.
  كانت الشمس قد خطت خطوة كبيرة نحو الغروب. عندما انطلق صوت متفجر من خلف الباب الحديدي المتآكل. انتبهت الآذان تستمع إلى التلاوة. كانت الساحة تنساق في كل مرة بعد التلاوة فتضج متراوحة بين الفرح و الأسى. 
***
مرّت ساعات منذ استقل القطار و الشّوق ما فتئ يكبر باتساع مدى الصور الممتدة عبر النافذة حتى الفضاء. و كان صليل الحديد يحث قلبه على الرقص رقصات زنجية تستحضر الأمل العذب. و لكن الجنون الساخر يستحث ذاكرته التي لا تمتد أبعد من تلك الأرض التي تركها خلفه. فتنشط الأفكار تعربد في رأسه: لم ينته من مشاهدة نفسه و المدينة الشاهقة تسطع في السماء. سيفارق الأرض التي لم تطأ قدماه أرضا غيرها. و لم ترسم عيناه حدودا لها ، حتى الجبل الناهد في أجواء الفضاء خاشع لها.       
سيفارق الأرض التي لم يتنفس هواء غير هوائها. و لم تسمع أذناه أصواتا غير أصواتها.  
سيرحل عن الأرض التي صبغت روحه و علّمته كل شيء :                           
علّمته الغضب من قسوة العواصف.                              
و علّمته الكبرياء من اتساع الأجواء.                              
و علّمته الانتظار من ذهول الأشجار.                             
و علّمته الجنون من انعطاف المسالك و تعرج الطريق .           
و علّمته الحزم من الرجال الملتحين بالشراسة و التعب. يشقون بطون الحقول بالمحاريث الصدئة التي تجرها دوابٌّ هزيلة و مرهقة من لسعات السياط و ساعات العمل الطويلة.             
و علّمته الشوق من قلوب النساء المستعدّة لقضم الحب و هن يعددن الخبز.
و علّمته التحليق من أغنيات الصبايا التي تنطلق في الاجواء حاملة أحلامهن بالحب و بأمراء يأتون مسرّجين بالشوق و القبلات.                                  
و علمته المثابرة من قطعان الماشية المتعبة في البحث عن شيء يسد الحاجة. و فكوكها لا تكف عن الاجترار من القناعة أو الحلم أو السأم أو اللاشيء. فلا عجب أن تصبح الخراف أشد مكرا من الحكماء زمن المجاعة.                                
و علّمته الدفء من عجوز وهي تغفو محتضنة قلبها بأطرافها الهزيلة و وجهها المملوء بالقطيعة من جمهرة الموت و حوادث العائلة.                                                   
و علّمته الضجيج من الأطفال العراة إلا من ضحكاتهم. ينطلقون فاتحين أيديهم للحياة. و هم يطاردون عجلات حديدية تفرقع كلما اصطدمت بحجر.
***
                 
 دوّت صفّارة القطار معلنة نهاية الرحلة أو بدايتها. فترجّل على الرصيف يحتضن حقيبته و أخذ يطارد ساقيه اللتان تنسابان محدثتان نقرا متناسقا على الأرضية الصلبة. لم يقدر على تحمّل سروره و هو يشاهد الابنية العالية على جنبي الطريق الاسفلتي الممتد بلا حدود. و الواجهات البلورية ترسم آلاف الوجوه الفاتنة و الأشجار تصطف على الجانبين مهذّبة بتناسق بديع و المقاهي و الحانات تضخ الأغاني. فجرى محلّقا في فضاء المستقبل يحتضن فراشته العاطفية.                                                  
انتبه قلبه المتجهم منتشيا بصوت الموسيقى. و أخذ يتنفس بقوة و يمد أطرافه مستسلما للمتعة. لقد اختفى كل العالم فجأة  في حضرة الروح الموسيقية. و راح يفرقع بأصابعه و يحرك رأسه و يضرب بقدميه في انسجام مع النغمات.                          
انساب السائق متطاولا على سلطان الرقص يتحدث عن حال البلاد و السياسة و الاقتصاد و السرقات السياسية و عن الاعتقالات و الاعتصامات و المتظاهرين و عن العصابات الجديدة و الطامعين واللصوص الكبار و اللصوص الصغار و عن غلاء الأسعار و المشردين و الايتام و الفقراء...                    
و يطلق عقيرته فيسبّ المال و الميسورين و الكذابين و الزعماء السياسيين و النقابيين و الطريق...         
و لا ينقطع عن بيانه المسترسل إلا حين يخرج رأسه المنتفخة عبر النافذة ليلعن سائقا ضايقه أو عجوزا حاول شقّ الطريق دون انتباه.
يصيح بأعلى صوته مثقلا بالتداخل حتى خيّل إليه أن الكون يهتز لصالحه. و لم يوقف هديره المنفعل إلا صوت يطلب منه أن يركن جانبا.                                  
ترجّل من سيارة الأجرة يجر خطواته المتقوسة متأبطا وجعه و على وجهه ملامح الاصفرار و بيده رعشة. كان يتأرجح عاريا من الداخل يتلمس طريقه وسط الزحام. يحمل بيمناه حقيبة و بيسراه سيجارة تلهو بين أصابعه. لا يتخلى بجنونه المتطاول عن التحليق في أغوار الذكريات. و لا يساوره شك في أن الإنسان يجب أن يتخلى عن العيش حتى يُحس بالحياة. كان يقف مرتبكا أمام حلم يراه مكتملا في إبهامه لدرجة أنه قد يغمض عينيه و لا يزال معناه كامنا فيه. و يواصل السير بلا وجهة و لا يعرف السبب ربما هو السأم أو الضجر أو ربما حسه الطفولي و حسب يقول له هذا مكان مناسب للعب.   
ظلّ يسير وسط الطريق مقتولا بالصور التي تضايقه من كل جانب. و تُخبره أن أتفه شيء في العالم جدير بالحب حتى الغد.  سيكون غدٌ للآخرين أما هو فلن يكون له إلا فجوة مظلمة يزحف إليها لا يعي ثمله.                                         
دخل المقهى في وسط الشارع و حيّى النادل بشفاه يحاصرها جفاف أزرق لا تنطق شيئا. جاءه النادل بفنجان القهوة و التقط قطع النقود و ابتسم معبرا عن امتنانه. حرك حسن قطع السكر بسرعة و شرب القهوة و خرج.                                     
 أصوات خافتة تهمس مثل المتآمرين في أذنيه. فيرفع عينيه نحو السماء التي ترتفع صامتة كخيمة تتدثر بالفجيعة تلامسها الزفرات المتأكسدة و الأتربة الداكنة. و ابتساماتها الصفراء تداعب جرح الافق. و تنعكس عليه فتدفعه ليحث السير متفجّرا بالحزن كالموت.                                                            
 لا يزال يتذكر تلك الليلة الصيفية و القمر يلقي بنوره الفضي على الارض لينعش الحقول التي ترتدي ثوبا فضفاضا من العطش و الانتظار فيكتنفها جو من الحيرة و السرية. و في المحيط الآمن كان الأطفال يركضون خلف كرة القماش محدثين جلبة تخترق السكون. نظرت جميلة إليه بشوق و حذر. و سارت إلى الحقل ثائرة شعرها كاللقالق. و جلست تحدق إلى السماء بعينيها الطليقتين من فسحة الموت. وقف إلى جانبها يراقب القمر في صمت آخذا نفسه بعيدا في الحلم. فأشارت بيديها و قالت :                                  
- الشجر مختلف هذه الليلة و الضلال لا وجود لها.               
فنظر إليها و قال :                                                  
- و القمر مكتمل و نوره يصبغ بألوانه المتفجّرة أحلامنا.            
ردت بود :                             
- أنواره تتسع من أجلنا.                       
ثم سارت خطوات أمامه و قالت  :                            
- يلتمس منّا الدّعاء لدوام السعادة.                           
فقال :                                                  
- بل هو فنّان في رسم الأطياف حتى نبوح له بكل أسرارنا.       
رقصت على الضوء كالضوء. و انتشرت كالعطر فسرى في جسده شعور غريب. و مدت يديها إليه فمد يديه يسبح فوق الأصابع. و ارتمى على ركبتيه.                                                   
"القمر تغير و النجوم تغيرت. و السماء ما عادت ساحرة مثل تلك الليلة يا جميلة.                      أصبحت تتدفق انتباها عبثيا. و ترتفع كجدران سجن فوق الرأس صامتة و ثقيلة على كاهل الحلم.                      
لم تعد تستحق ذاك الثناء و ما عدت أحتمل كل هذا الظلام.

لوحي لي بيديك يا جميلة... فالغربة تمتص الضوء و تنهش اللحم حتى تقوستُ و صرت أمشي على عكازين.           
خلصيني من الوحدة التي تشرب دمي و تقضم جلدي و تملأني بالدود و العفن.                             
لوحي لي بيديك يا جميلة فقد صرت أصغر من ذاتي. و ما عاد العقل يطفو حتى تلاشى و انتهى. "                  




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق