الأحد، 26 مايو 2013

الجسد الغائب (3)


 وقف ينظر إلى المدينة التي يحقد عليها ، مازال يتذكر أنها سبب نقمته.  لطالما ذرع شوارعها الباهتة حتى يستسلم للتعب فيأوي إلى حديقة أو مقهى عصبي المزاج. و لكن نظراته الواثقة المتحمسة تملأه بالاندفاع و تغطي حزن قلبه و تخفي ملامح ظاهره الحادة و القاسية و تحفز طموحه و آماله و تطلق جناحي خياله في أجواء المستقبل فينبسط و تستيقظ الارادة الكامنة في روحه فيدب النشاط إلى قدميه ليعاود النهوض من جديد.                  
يستمر في الرحلة يذرع الطرقات و يصعد إلى البنايات العالية و يدق جميع الابواب. و لكن الحياة تعاند الارادة و التعب يغلب العزم و كثيرا ما ينقلب الهدف إلى خصم. و هو لا ينثني و لا يكف عن اقتحام السير حتى عبر الطرقات الخالية من أي حجاب لحرارة الشمس الحارقة. و حين تصمت الخطوات ينصب لها مرآة بألف صيف.                         
على مقربة من الغرفة التي كان يسكنها في ذلك الحي الذي ينتصب معاندا الجحيم يقبع في آخر زاوية من الشارع مقهى صغير يلوذ فيه كلما أسدل الليل ستاره ليحتسي قهوته السوداء المرة مع رجال الحي الذين وهنت قوى خياراتهم في العيش. يتحلقون حول الطاولات مشرعين بأيديهم كأنهم يقنعونها بالتحليق و لكن عيونهم جاحظة كأنهم لا يعرفون من حولهم. و يظلون جالسين فاقدين كل شيء لا يمتلكون بإفراط إلا الشقاء و البؤس. يتسارعون في احتساء أكواب الشاي و فناجين القهوة كأنهم يكفرون عن خطايا التعب.          
دخل ذلك اليوم إلى المقهى و سار بين الطاولات كأنه يسير بين أنقاض انفجار و أشلاء ممزقة عن أجسادها. جلس إلى طاولة في ركن مخفيّ قليلا و أشار للنادل فأتاه بفنجان قهوة و وضعه أمامه. أشعل عقب سيجارة رخيصة و أخذ يرتشف و ينفث الدخان صامتا و قد تملكه الغيظ لأنه يحس بفشله في تمثيل دوره في الحياة.
انتبه صاحب المقهى إلى حسن فرآه على غير العادة متجهما فمشى نحوه و سأله :                                          
 - لماذا هذا الحزن يا حسن ؟                                     
 صمت صمتا ميتا ثم تنهد و أجاب :                                
- الحزن ليس له فم يا "عم علي".                                 
 مد يده إلى جيب في سترته و أخرج علبة سجائر و ألقاها أمام حسن و قال :                                   
- الصبر يا بني يعلم التنعم بالابتلاء. و القلب الكبير يخبئ الحزن و يمقت الشكوى.
أشعل سيجارة و مد أخرى لحسن و أردف يقول :               
- لم أر من قبل مثل هذا التجهم و السكوت يسود حولك.      
و تغيرت نبرته و بان عليه الطرب هو يقول :                    
- "الندى يتساقط على العشب في أشد أوقات الليل سكوتا".   
بلغت الكلمات مسامعه و هو ينفث الدخان ساكنا فأطربته و حركت رأسه و يديه.  فتح شفتيه ليتكلم لكن جاءت كلماته صامتة. أحس بقشعريرة تبدد الحزن الذي يسري في روحه و تسارعت دقات قلبه و نظر في عيني "عم علي" فأجابه قائلا :               
- لقد بلغ السرور بي مبلغا كبيرا اليوم و لا أريد أن يعكر صفوه حزن عينيك. فإني أحمل البشرى لك يا بني ، لقد ذهبت إلى مكتب السيد رؤوف و حدثته عنك و قد وعدني بأن تبدأ العمل معه بداية الاسبوع القادم. هز السرور حسن و انتفض واقفا كأنه كان مقيدا و التهب قلبه بالمحبة و ارتمى على "عم علي" يقبله . ثم عاد إلى الكرسي و هو لا يملك القوة على خفض ارتعاشه فابتسم "عم علي" و مد يده إلى محفظته و أخرج منها بطاقة و ورقة من النقود و أعطاها لحسن و استدار و انصرف. 
تغيرت ملامح حسن و أشعت عيناه فرحا فأخيرا سيمتلك الحق في تسيير حياته و سيهجر عالم الضياع فلا صلة له بالتعب بعد اليوم و ستبدأ رحلة الانطلاق في بداية جديدة و سيصاحبه الإحساس بالزمن في مشواره. لقد تملّكه شوق عظيم و أحس نفسه امتلأت فرحا و أناشيد و بشائر و كل شيء فيه يتوق للشفاء من العطالة.
ثقل جفنه من هول ما حدق في الصور المعربدة التي تتجول في رأسه ما بين السماء و الفضاء و أطلق ابتسامة ساخرة مليئة بالاحتقار و تمتم بكلمات و هو يمد يديه لجناحي النافذة ليغلقها و دار نحو السرير و استلقى فوقه و استسلم للنوم.                 
انبثق الصباح الجديد فأفاق حسن بنشاط و دار في البيت يغتسل و يسخن بعض الطعام و روحه تلعن الاعتياد فكلُّ شيء صار صغيرا في هذا العالم. الساحات و الشوارع و المباني و البحيرات صارت أصغر و بوابات الحلم و خطوط الانطلاق و المحيطات و الفضاءات صارت أصغر. و استدعت تلك اللحظة دموعه التي حبسها داخل روحه فقد أدرك أن اللاشيء و التناقض لطالما ظلّلاه و آل على نفسه أن ينزل إلى شروط الواقع فجل ما يخشاه بعد موته أن يكون الشاهد الوحيد على بشاعة نهايته .            
بدّل ملابسه و وقف أمام المرآة ليرتب شعره لأول مرة منذ زمن بعيد ففاجأه شيخ ينتصب بوجهه رافعا يديه يحذّره من التقدّم. و انطلق يردد :                                                       
"ما الذي يضطرك إلى السقوط في خبث واقع بلا معنى فلن تظفر فيه بشيء بل ستفقد كل شيء . أعرض عنه فقد بناه قوم بظلام وجوههم و جفاف عواطفهم و تعالي تركيباتهم النفسية حتّى صار مزيجا مائعا من أخبث الأفكار. امتهنوا التجارة الرخيصة و الطاعة و المحاذرة و المراعاة و حملوا أسوأ ما في نفسيّة الوضيعين و المتماهين و المرضى حتى استحالت بياناتهم سفسطة و سخافات" .                   
أحسّ غثيانا يسري فيه دفعة واحدة حتى فقد القدرة على التوازن و تكاثفت فوق رأسه غمامة و تزايد سكونها و ظل زائغ البصر جامدا. و واصل الشيخ يقول :                                   
"لن تجد إلا الغوغاء تتـمايز  متقلبة و كاذبة . لن تسمع إلا أصواتا مختلفة النبرات دون تعليل... أنج بنفسك و لا تدخل معمل الشيطان " .                                         
 حينها أدار وجهه عن المرآة و صاح :                    
"أصمت فكلماتك لن تُفسد عزمي".                                
خرج من المنزل ناصبا قامته و مطلقا عقيرته للتحية و شفتيه للابتسام و ساقيه لطيّ الشوارع و عينيه لاستكشاف الأماكن. كانت ملامح الأمل تعلو وجهه و الأشواق تتملك قلبه. تذكر كيف كان ينفر من الأشياء كأنها قطط و كيف كان حنقه يعكر التحليق في الأجواء و كيف كان ذهوله يسوقه إلى مسالك الضلال. و كم من مرة تمنى أن يسقط في هاوية أو أن يختفي ببساطة. علت محياه ابتسامة مقهقهة تضع حدا لكل الجنون و الاضطراب .      
تراءى له مكان يتجمع فيه الناس فحث الخطى نحوهم . و لما اقترب منهم توقف باهتا يجيل أنظاره فيهم فوجدهم حلقات و كل حلقة يتوسطها خطيب يرسل بيانه. و أخذ يطوف حولهم و يلقي بأسماعه للبيانات الهادرة التي تبذُل الوعود و تخترع السعادة و تتعفف عن الخضوع و شد انتباهه رجل تجمع حوله الحشد الأكبر. فقد هجر التربة التي تقسو عليها الحياة و اعتلى أعلى منصة و صغرت الأرض وراءه و الحشد تحول إلى بعوض و براغيث. كان يتلوى و يزمجر و يقتحم حاجة المستمعين باحتراس و يزعق و صراخه يعلو ملتمسا من جنونه ليعلّم الناس حوله مسالك المعرفة. حدّق به كثيرا فبان له عاريا يقطر سمّا و تنبعث منه رائحة كرائحة الجيف. فتمنى لو يتاح له أن يضربه على شدقيه ليسدّ حنجرته .   
و قال في نفسه :                                   
 "كيف لهذه الأجساد المسمَّمة و الأرواح الكريهة أن ترتع في العيش؟ "                              
و اقترب من رجل إلى جانبه و سأله من يكون هذا الخطيب ؟  
رمقه الرجل بطرف عين و قد استولت عليه الدهشة و قال :     
"هذا ملهم الشعب و منقذه لم يبلغ أحد ما بلغه من حكمة و عفة و طهارة و تلقائية".        
واصل حسن طوافه حول الجموع و الحلقات المتراصة و كان يستمع لخطبائهم الممتلئين شهوة و شكوكا و التواءا و مراوغة و هم يبدون تأييدهم لما تطلبه الحشود بإجلال و يعرضون وساطتهم . يختبئون وراء الأقنعة و جلود الوحوش و الأبطال الأسطوريين . لا شيء واضح و مستقيم , كل شيء مقلوب و معلق على كتل مبهمة من التناقضات تحجب الوصول إلى مكامن الوجع . أينما حولت النظر لن تلقى سوى التكرار و التفاهة الأبدية ذاتها و الشعارات العقيمة ذاتها و الأجوبة ذاتها للأسئلة ذاتها.                               
جرت عقارب الساعة نحو المساء و حسن لا يزال يطوف بين الجموع و الحلقات و البيانات تنتشر متعادية بخلطات عجيبة و محشوة بكلمات مشوهة تتدفق عطفا. تسافر فوق رؤوس لا تفهم لغتها و تحط على الجباه فتطلق الجموع العنان لحناجرها بالصياح إذ مسها من الحماس ما يفتح السماء و يجرها إلى الاندفاع حتى يفسد الهواء حولها و تتقطع الانفاس.                         
ظل يطوف و روحه الجائعة تبحث عن شيء تقتاته في فسيح الفضاء الطافح بالمنقذين الذين يلبسون جلود الابطال الأسطوريين. و اندفع بعواطفه يفتش عن ملاذ يحميه من شياطينه فليكن الدين أو المذاهب العلمانية أو المذاهب الثورية. فليكن الله أو التاريخ. فليكن الانبياء أو المخلصين الذين لا تكف ألسنتهم عن الضجيج و الرتابة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق