·
أبعث إليك بشيء غير مألوف في عيد الميلاد، هو وعد بأن
لا أطلق النار على نفسي...
متدثرا بالبحر من زمن الفجيعة، ملتفا بالألم من رائحة
الميتات المتأكسدة و شاردا كخضرة الزيتون الإشتهائية. حين كنت جالسا في خيمة غجرية
تلامسها الشمس و الأتربة الداكنة. كان طفل صغير يفتح يديه للحياة، ساترا جسمه بقميص
لا يزيد عن إصبعين و من الأسفل عاريا كالرمح. كانت البقرة تتنفس من تعب الأعوام و تزفر
بقوة الجليد، و ثمة عجوز في التسعين من عمرها تنادي محمدا ... يا محمد ... ثم تغفو
وهي تحتضن محمدا بساعديها النحيلتين و وجهها المتخم بالقطيعة من جمهرة الإغتيالات و
حوادث العائلة و من طيات السجون الواسعة و من هذا السرطان الذي يسمونه عالما ذا مساحة
و سكان و إقتصاد و سلطات.
الأشجار بعيدة و القمر يتشيأ الجبال و الصخور، و الوحات
تبدو أشد سوادا مما مضى و ذكر في المعارض، جميلة مرتدية
ثوبها الفضفاض الأزرق، ثائرة شعرها كاللقالق في أفواه الأفق... إنها تنظر نحوي بخوف
و حذر و السواد يلف عينيها الطليقتين من فسحة الموت ... حدثتني بهدوء و حرقة عن هابني
و كامي و عن وفاة العجوز سارتر و المسافات و المقابر، و انتهت وهي تحلم بعذاب االمساجين
و الله و ...
أما أنا ملك الفوضى و التعب و الترحال و الإنتظار، كنت
مقتولا بالصور و على استعداد بأي لحظة تومئ إلي بأن أشرب ماء البحر بغمضة عين و أن
أستلقي في نهر مليء بالروث و العفن و أن أقاتل أسود الغابات الإستوائية و أن آكل كافة
زرافات إفريقيا المحروقة و أن أخلل البقرة الهرمة النزقة بين أسناني و أنام في عراء
الهند الصينية...
عاريا من الداخل، وحدي في الشارع ، أدقق في وجوه المارة
و أمضغ الدخان بشدة؛ المعامل، الجنازات ، المقالع، القبور لنفسي قرب الشلل العصري و
يافطات الشوارع: أطباء، حوانيت، مهندسين، مقاهي، هنا مات نبي و هنالك قبر عشيقتي ،
هنا قصفت المدافع للموت، هنالك جلس أخي.
بعد بضع سنين سيمتد البحر الى اليابسة و تعصف الكتب بالإنتظار
على الأرصفة، سترقص جماجم الموتى و يُأكل الرماد بحيوية و قد نفترش الرمال مع أحزانها
برفقة الشمس و الإنسان و اللغة الجديدة.
الحياة و الأجساد التي تمتلك القلوب و تحب فيها الحقول
ستغني للطيور و سنلتقي جميعا على كف الحياة المستدير كالخبز، سنراقص الحمير و نلهو بقصاصات الماضي ، و العصافير
تدف قرب الطائرات كأصدقاء ... قدامى سنمازح الكلاب و وجوهنا ملأى بالضياء الذي يبدد
الظلام.
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق