السبت، 23 مارس 2013

التّداخل



·      أبعث إليك بشيء غير مألوف في عيد الميلاد، هو وعد بأن لا أطلق النار على نفسي...

متدثرا بالبحر من زمن الفجيعة، ملتفا بالألم من رائحة الميتات المتأكسدة و شاردا كخضرة الزيتون الإشتهائية. حين كنت جالسا في خيمة غجرية تلامسها الشمس و الأتربة الداكنة. كان طفل صغير يفتح يديه للحياة، ساترا جسمه بقميص لا يزيد عن إصبعين و من الأسفل عاريا كالرمح. كانت البقرة تتنفس من تعب الأعوام و تزفر بقوة الجليد، و ثمة عجوز في التسعين من عمرها تنادي محمدا ... يا محمد ... ثم تغفو وهي تحتضن محمدا بساعديها النحيلتين و وجهها المتخم بالقطيعة من جمهرة الإغتيالات و حوادث العائلة و من طيات السجون الواسعة و من هذا السرطان الذي يسمونه عالما ذا مساحة و سكان و إقتصاد و سلطات.

الأشجار بعيدة و القمر يتشيأ الجبال و الصخور، و الوحات تبدو أشد سوادا مما مضى و ذكر في المعارض،  جميلة مرتدية ثوبها الفضفاض الأزرق، ثائرة شعرها كاللقالق في أفواه الأفق... إنها تنظر نحوي بخوف و حذر و السواد يلف عينيها الطليقتين من فسحة الموت ... حدثتني بهدوء و حرقة عن هابني و كامي و عن وفاة العجوز سارتر و المسافات و المقابر، و انتهت وهي تحلم بعذاب االمساجين و الله و ...
أما أنا ملك الفوضى و التعب و الترحال و الإنتظار، كنت مقتولا بالصور و على استعداد بأي لحظة تومئ إلي بأن أشرب ماء البحر بغمضة عين و أن أستلقي في نهر مليء بالروث و العفن و أن أقاتل أسود الغابات الإستوائية و أن آكل كافة زرافات إفريقيا المحروقة و أن أخلل البقرة الهرمة النزقة بين أسناني و أنام في عراء الهند الصينية...
عاريا من الداخل، وحدي في الشارع ، أدقق في وجوه المارة و أمضغ الدخان بشدة؛ المعامل، الجنازات ، المقالع، القبور لنفسي قرب الشلل العصري و يافطات الشوارع: أطباء، حوانيت، مهندسين، مقاهي، هنا مات نبي و هنالك قبر عشيقتي ، هنا قصفت المدافع للموت، هنالك جلس أخي.
بعد بضع سنين سيمتد البحر الى اليابسة و تعصف الكتب بالإنتظار على الأرصفة، سترقص جماجم الموتى و يُأكل الرماد بحيوية و قد نفترش الرمال مع أحزانها برفقة الشمس و الإنسان و اللغة الجديدة.
الحياة و الأجساد التي تمتلك القلوب و تحب فيها الحقول ستغني للطيور و سنلتقي جميعا على كف الحياة المستدير كالخبز،   سنراقص الحمير و نلهو بقصاصات الماضي ، و العصافير تدف قرب الطائرات كأصدقاء ... قدامى سنمازح الكلاب و وجوهنا ملأى بالضياء الذي يبدد الظلام.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق