الجمعة، 8 مارس 2013

الثورة و الثوريين




الحماسيون يريدون صنع ثورة ملوّحين بأن عديد اللحظات التاريخية المناسبة قد أهدرت بل أكثر من ذلك حيث أن أغلبهم أجبروا على إخلاء ساحة المعركة حتى صار انتصار الأعداء أسهل. كما أن انسياقهم وراء الدغمائية التي تبثها التنظيمات الحزبية جعلتهم مشوشين فرغم وعيهم التام بأن غايات مثل الحرية و العدالة و الرقي النوعي لا يمكن أن تتحقق مع استمرار العنف (و أقصد هنا عنف الحكومات بشكل خاص) إلّا أنهم في كل مرة يمتثلون برغبة تامة أو حتى بغضب عارم إلى الأوامر التي تصدرها الهياكل التنظيمية الفوقية.                           
إن الأحزاب مهما اختلفت برامجها لا غاية لها إلا الوصول إلى السلطة و امتلاك الحق في ممارسة العنف حتى تطبق برامجها و تسعى إلى صياغة شكل المجتمع حسب مصالحها دون مراعاة لحاجات الجماهير و تصوراتهم. و هذا ما ينفي بالنسبة لي أي صفة ثورية لأي حزب، فالثورية لدى هؤلاء مجرد ملاسنة أوفي أحسن الظروف لا تتعدى أن تكون نية حسنة. و هذا ما يتجلى حقيقة عارية في تململها و تلكئها و ترددها في التصعيد بل يصل الأمر إلى حد تعبيرها الأجوف عن ضرورة التأجيل و الإنتظار. و ليس للمرء أن يكون عبقريا حتى يفهم لماذا يأتون هذه التصرفات، إنهم و بكل بساطة غير واثقين من أنفسهم و من برامجهم و خصوصا من قبول الجماهير بهم، فهم على بينة من أنهم لا يملكون القوة المادية الكافية لضمان القبول حتى السلبي منه ، لذلك فإن تصرفاتهم مثل الإنحراف عن المسارات و التهدئة و الاطفاء لا تبدو غريبة على الإطلاق فتفكيرهم الوحيد منصب على الوصول إلى السلطة و لكن بشرط إيجاد الضمانات الكافية لكي يبقوا أطول وقت ممكن على رأس الدولة.                                                 
تقريبا اقتنعت الأحزاب اليوم أن لا ضرورة من التصعيد حيث أن الجماهير ليست مضمونة خصوصا في حالات الانفعال ، لذلك يجب أن تتستر خلف ستار المدنية و مناهضة العنف حتى تستعطف أكبر قدر ممكن من المستكينين بممارسة الكذب و الدجل و السخرية السياسية و تدفع بهم إلى الانسياق خلفها في الاستحقاقات البرلمانية و غيرها. و في نفس الوقت لن تكف عن ادعاءاتها  للالتزام بحقوق المهمشين و المفقرين و العمال في العدالة و الصحفيين  و المثقفين في الحرية و القضاة و الشرطة و الجيش في الاستقلالية و ضرورة تقويتها و تعزيزها. و لا تكف بحسها الثوري المرهف عن طمأنة الطغاة و السارقين (الرأسماليين) بضرورة توفير مناخ جيد لها لتجتهد في امتصاص الدماء و العرق.          
أين هي تطلعات الجماهير من كل هذا؟ لا شيء غير ممارسة النشاط الكلامي في تعداد المشاكل و اطلاق الوعود.
إن الجماهير بحسها العفوي تعرف أنها لن تجد آذانا صاغية لمطالباتها إلا إذا تقف مانعا أمام عودة القوة لأي حكومة. لذلك  فهي تعمل باجتهاد لإضعاف أي حكومة قائمة أو أخرى ستقوم، لأنها تعلمت من تجاربها المريرة أن الاستكانة تجرها إلى التخلي و الموت. إن الجماهير اليوم بلغت من الوعي حدودا أبعد من وعي المتكالبين على السلطة و لكن بضعفها في الممارسة و الرفض و خصوصا بهشاشة فهمها لفلسفة الثورة ، لا يزال يتملكها الخوف و الحيرة لذلك هي بعد كل تصعيد شديد تنكمش إلى الخلف و تنتظر مبادرات الإصلاح من الحكومة، و لا تأتي أي عنف مادي إلا لدفع عنف مضاد.                            
قد تكون الجماهير بلغت من الوعي حد يقينها بأن أي حكومة مهما كان لونها أو شكلها لن تكون إلا أداة قمع للحرية و خنق للإبداع و لكنها تقف خائفة أمام أي فكرة قد تطوف حول الرأس لهدم أي سلطة سياسية و هذا بالأساس ناتج عن القصف اليومي الذي تتعرض له من الدعاية الإعلامية و من السياسيين و تسارعهم في التسويق لضرورة احترام الدولة و هيبتها حتى بلغ بهم إلى حدّ تصوير أن لا حياة خارج إطار الدولة.                       
و رغم كل هذا فإن الجماهير لا تكف عن التفكير في أن بلوغ غايات مثل الحرية و المساواة الاجتماعية لا تكون إلا بثورة حرة. و هذا ما يجب أن نسعى إليه بشدة نحن اللاسلطويين و نحاول ضمانه. فمهمتنا أن نهدم أي صنم يقدسه النائمون و أكثر الأصنام خواء و فراغا هو السلطة السياسية. فأي شكل للحكومة لن يكف عن تبرير الاستغلال الرأسمالي و الممارسات القمعية لأجهزة تنظيم الشر الاجتماعي. لذلك علينا أن لا نتوانى في المبادرة أو المساهمة أو المشاركة في الهدم و غلق الطريق أمام كل بوادر لظهور أشكال تسلط جديدة مهما كان لونها أو شكلها. كما أنه علينا أن نتمسك بحقنا في تسيير حياتنا مثلما نريد طالما أنها لا تخل بالحرية و المساواة. و هذا لن يمنعنا من ممارسة العنف و القوة إذا اقتضى الأمر فلا شيء يمكن أن ينجح أبدا إذا لم يمتزج بالقوة.        
و لكن لا يجب أن نكون حالمين إلى درجة السقوط في نظرية "كل شيء أو لا شيء". بل علينا أن نفتك كل ما نستطيع افتكاكه و نواصل المثابرة و الفعل النضالي لنجعل كل مستحيل اليوم ممكنا غدا. و هنا أعدد بعض النقاط و يمكن لنا القياس عليها:
 لا يجب أن يصيبنا الإحباط إذا لا يكون في قدرتنا تحطيم السلطة السياسية مرة واحدة بل على العكس تماما يجب أن نناضل بشراسة للدفاع عن الحريات المكتسبة و محاولة تعزيزها كل يوم.    
 لا يجب أن يصيبنا اليأس إذا تعذر علينا تحطيم النظام الرأسمالي الاستغلالي برمته بل على العكس لا يجب أن نتوقف عن النضال من أجل تحسين الأجور و تخفيض ساعات العمل و تحسين ظروف العمل و المطالبة بفرص التشغيل و بضرورة إحلال سلم للرواتب يحد من التفاوت و من سطوة التقنيين و جيش البيروقراطيين.                                   
 لا يجب أن نستكين إذا لم نتخلص من دفع الضرائب بل على العكس لا يجب أن نكف على النضال من أجل إحلال سلّم ضريبي يلزم الأغنياء بدفع نسب أكبر من أرباحهم كما لا يجب الكف عن المطالبة بضرورة إلزام ضريبة على الثروة للحد من التفاوت الطبقي المشط.
 لا يجب أن يصيبنا الخمول إذا لم نوفق في وئد التجارة بل على العكس يجب أن نواصل النضال من أجل الحد من سطوة التجار و السماسرة و محاولة إلزام التبادل المباشر بين المنتجين و بين المنتج و المستهلك. 
كما أنه لا يجب أن يكف نضالنا من أجل تدمير أجهزة تنظيم الشر الاجتماعي و أقصد الشرطة و الجيش و القضاء و الادارات المخصصة للقمع و الزجر و تحطيم القيم الانسانية و لكن لا يجب أن نستكين إذا لا يكون بمقدورنا تدميرها من جذورها بل يجب علينا أن لا نسمح لها بتجاوز القوانين القائمة و نسعى دائما لتطوير هذه القوانين و جعلها أكثر تقدمية و إنسانية.                           
ما يجب التأكيد عليه هو عدم الرضا بما نتحصل عليه بل يجب علينا إستعمال كل مكسب جديد بداية لطلب جديد. و لا نكف أبدا عن إيماننا بأن الضامن الوحيد للحرية و المساواة هو الاتفاق الحر الخالي من كل شكل للتسلط و الاتفاق الحر لا يمكن أن يكون إلا بالتطور الحر لكل فرد و لكل مبادرة، فأي مقترح أو إجراء عملي قد يعود بالفائدة على المجتمع هو جيد مهما كان عدد المشاركين فيه. 


                          

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق